ثورة الكتابة عند صلاح بوسريف

حجم الخط
0

توج الشاعر صلاح بوسريف تجربته الشعرية بكتاب شعري جديد بعنوان «يااااا هذا تكلم لأراك»، هذا الكتاب هو استمرار للمشروع الشعري الذي بدأه منذ صدور ديوان «فاكهة الليل»، بلغ عدد صفحاته أربعمئة وواحدة وخمسين صفحة، وهو بذلك يعطي شكلا مغايرا للكتابة الشعرية ولمستوياتها، إذ في مجمله نص طويل، ربط بين مكوناته بواسطة أرقام من خلالها حاول وسم عمله بالتراتبية الموضوعية.
من يقرأ هذا الكتاب يجد صعوبة في تصنيفه ضمن المسميات التي طرحها النقد القديم من قبل قصيدة وديوان…فهو أبلغ وأقدر على خلق ما سماه الشكلانيون الروس بـ: الشعرية أو الأدبية، من ثم نطرح سؤال أدبية هذا الكتاب؟
إذا كانت القصيدة والدواوين الشعرية قديما تخلق شعريتها بواسطة الإيقاع والوزن والقافية والروي، فهذا الكتاب يؤسس تلك الشعرية بواسطة الخرق والخروج عن التقاليد وإشراع نوافد الشعر على عوالم متعددة كالسرد والقصة والتاريخ والتشكيل.
فيما أفاد الشاعرفي حديث سابق أنه يريد من خلال كتاباته « خلق قارئ جديد»، وهو ما سعى إليه من خلال هذا الكتاب حين كتب الشعر بطريقة المزج الفني أو ما سمي بــ «التعددية الفنية»، فالقرآن والكتب المقدسة والتصوف والقصة والتاريخ والصورة والشعر القديم والرسم…كل ذلك كان مزيجا، كوَّن نصوص هذا الكتاب، لذلك من الصعب على المتلقي العادي قراءة نصوصه وفهمها بطريقة تلقائية، فنصوص هذا الكتاب تستدعي ثقافة موسوعية تتعدى ما هو معاصر إلى الغوص في تاريخ الإنسان والمعرفة معا.
قد يلاحظ القارئ ميل الشاعر إلى إدراج مجموعة من العتبات، وكذلك التصرف وتحوير مجموعة منها إلى باب، أو في داخل نصوصه، إذ بهذا المنطق يحاول وضعنا أمام الرؤيا والفكرة التي على أساسها بنى أفكار ذلك النص، فالمعنى على باب النص، هكذا قال جنيت، كذلك في الثقافة الإنسانية كانت العتبة مفتاح للمنزل، بالتالي ضرورة الولوج عبر العتبة إلى الداخل. كما مزج في كتابه أقوال مجموعة من المتصوفة الذين كان لهم وقع كبير في نفسيته، والذين عايش زمنهم عن طريق القراءة الفاحصة، فأدرج واقع حالهم كــ: جلال الدين الرومي، ومحيي الدين بن عربي، وفريد الدين العطار، وأبو يزيد البسطامي…فوضع جانبا كبيرا من حياتهم داخل نصوصه، لخلق السؤال، فلم يكتف بذلك، بل أقام رحلات متخيلة عن طريق الكتابة والاسترجاع التاريخي إلى مجموعة من المدن كـ: مدينة بلخ والأناضول وقونية ونيسابور وبلاد فارس…
في هذا الكتاب يقيم صلاح بوسريف مساءلة لما يجري في الواقع المعاصر من دمار وخراب…فعاد إلى أحداث تاريخية كان لها وقع كبير في إضعاف النفسية والحضارة العربيين، إذ خلفت ضياعا تاريخيا، كحادث إحراق كتب التاريخ والأدب العربي من قبل التتار، ليحاول بعد ذلك البحث عن مثيل لذلك فيما نعيشه اليوم من قتل وتنكيل ونهب للحريات في مختلف البقاع العربية.
لكل ذلك أقام الشاعر في كتابه هذا، تماثلا وتقاسما، معنويا، إذ يشترك الشكل، أو البناء، وكل مكونات الصفحة في التعبير عن الفكرة، فالتشتيت والانقسام والدمار والخوف والخراب كل تلك أحاسيس يبثها في الصفحة، باعتبارها، شكلا ومضمونا، فيقيم بذلك تكاملا بين الشكل والمضمون، المنطوق والمرئي، أي بين الكلمة والحرف والجملة وما يريد من خلالها أن يقوله للقارئ، فهو يحاول بهذه الطريقة إثبات ما سماه في كتاباته التنظيرية والنقدية بـــ «حداثة الكتابة الشعرية».
فصلاح بوسريف أراد أن يخرج الشعر من شكله المعهود، حين جعل هذا الكتاب نصا طويلا يمتد عبر أزمان متعددة، وعوالم مختلفة، بل جعله يتقاطع مع أجناس أدبية متنوعة. لذلك نطرح سؤال التجريب في الشعر، إلى أين؟
باحث وناقد مغربي

ثورة الكتابة عند صلاح بوسريف

عبد الهادي موادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية