‘ أحاول أن أرسم الهشاشة’ (‘عناق’ ص87)
-1تعتبر القاصة لطيفة لبصير من الأسماء الإبداعية الحاضرة في حقل القصة القصيرة، والمنتجة بوثيرة منتظمة ومتواصلة، أسست بذلك لاسم مائز، بَـصَـمَـتُـه نصوصُـها القصصية المتعددة والمختلفة، سواء في الموضوعات أو في طرائق الاشتغال السردي، باعتمادها مجموعة من التنويعات على مستوى البناء الحكائي، ومن خلال العوالم التخييلية التي تشتغل عليها من نص إلى آخر..
لطيفة لبصير كاتبة تدرك الاختلاف الذي ينبغي لنصوصها أن تشيِّـده في غابة الكتابة الإبداعية العربية؛ وهو طموح كل مبدع يرى الكتابة من موقع المسؤولية. لذلك فهي باعتبارها امرأة تعمل على إبراز الخصوصية النسائية، بالحفر في الجسد الأنثوي في علاقته بالذات وبالعالم، وإن تباينت هذه المسألة من مجموعة إلى أخرى، بل من نص إلى آخر، خصوصـًا أن بعض النصوص مارست نوعـًا من المراوغة في كتابة ذات المرأة بإسناد سرد الأحداث لساردٍ رجل، إلا أنها، في تصورنا، لعبةُ مرايا، ترى فيها المرأة نفسها من عدة جوانب، وتحاول من خلالها الكاتبة الكشف عن الخبيء في رؤية الرجل للمرأة ولعوالمها..
ولابد في هذا التقديم أن نشير إلى السياق الذي ظهرت فيه نصوص لبصير، حيث التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي مسَّـت مرحلة التسعينيات في المغرب، وهي الفترة التي بدأ القارئ يطلع على نصوصها القصصية، مع مبدعات أخريات: ليلى الشافعي، لطيفة باقا، ربيعة ريحان، مليكة نجيب، حنان الدرقاوي… نصوص مسكونة بقلق الكتابة وسؤال المغايرة، وتأسيس نص إبداعي يشتغل على التجديد في الأشكال، والتنويع في الموضوعات، وتقديم رؤية جديدة تناسب طموحات المرحلة، في إطار تعالق النص الإبداعي بقضايا المجتمع، وانشغاله باستثمار مرجعية نصية إبداعية وثقافية، عربية وعالمية. فمن هذه الأسئلة الكثيرة والمتشابكة التي خدمت انعطافة مغرب التسعينيات في جميع المجالات، نرى نصوص لطيفة لبصير التي كانت نتاج مجموعاتها القصصية: ‘رغبة فقط’ ( 2003)، ‘ ضفائر’ (2006)، ‘ أخاف من…’ (2010)، ‘عناق’ ( 2012).
-2-
تتكون مجموعة ‘عناق'(1) من ثماني عشرة قصة، تشتغل فيها القاصة لطيفة لبصير على قضايا مجتمعية وإنسانية، تتشابك فيها الذات والآخر، الأحلام والأوهام، الواقع والخيال، الممكن والمستحيل.. كتابة تحاول رصد إشكاليات برزت مع تقدم المجتمع، وانخراطه في حداثة وهمية، جعلته في مأزق مع ذاته، حيث التمزق والتشظي، من داخل آلة الواقع الفاتكة بالقيم وبجوهر الإنسان.. كتابة تحكي المغامرة، وتكابد مشاقها لبلوغ الثاوي والمسكوت عنه، في علاقة الذات بالآخر، في سرود غير بعيدة عن عوالم القارئ، بل هي كاشفة ومضيئة لتفاصيل عابرة، لكنها أساسية وجوهرية في معيشه اليومي.. موضوعات كثيرة تتصادى في هذه المجموعة: الطفولة، الحب، الزواج، المثلية الجنسية، الفراغ، الفقدان… منها ماهو مهيمن ومنها العابر.. وسنحاول في هذه القراءة أن نكشف عن ما نسجته هذه الموضوعات من علائق، والوقوف عند العوالم التي تولدت عنها، لذلك سنركز على الفضاء لأنه سيساعدنا على استجلاء المتخيل الحكائي في نصوص ‘عناق’، لكن لابد، قبل ذلك، من تحديد ما يلي:
تمثل المكان عند لبصير مرتبط بهذه الموضوعات السالفة الذكر، وباستراتيجية اشتغالها، وهو بذلك يبدو ضئيلا أمام الشخصيات والأصوات والعوالم..
نص ‘عناق’ يندرج ضمن الكتابات الجديدة التي لاتركز على المكان(2) ( المكان بمعناه التقليدي الذي يعتمد الوصف الدقيق، وبه تتحدد أمور كثيرة سواء في الفهم أو في الدلالة ) إلا باعتباره مكونا من بين مكونات أخرى للحكي، رغم ما لدلالاته من أهمية.. فهو بارتباطه بهذه الموضوعات ، ينقلنا من الاهتمام، في هذا النوع من الكتابة، بالمكان الذي ‘ هو الإطار الذي تقع فيه الأحداث'(سيزا قاسم)(3)، إلى الفضاء ‘ حيث تتسكع الأمكنة’ (جورج بولي)(4). فالفضاء في حاجة إلى الأمكنة إلا أنها ليست هي الفضاء، لأن هذا الأخير ‘ لا يمكن حصره في مشهد وصفي تقليدي إلا كمكان، فهو لا موضع له، مبثوث في كل مناطق النص (…) ليس كامنا فقط في معجم الكلمات والعلامات الفضائية أو في الأمكنة التي تعبرها الحكاية أو تشغلها طرائق السرد المختلفة'(5). فالفضاء إذًا شمولي، في حين أن المكان ‘ مجال جزئي ‘.
إن رصد الأمكنة ووصفها، وحتى ربطها بعناصر أخرى في النص ليس له أهمية كبيرة، في حين أن ربط الفضاء بالموضوعة في إطار ما يمكن تسميته بــ ‘ موضوعاتية الفضاء ‘ حسب ميشال رايمون، قد يكشف عن أمور كثيرة، بالإضافة إلى اقتناعنا، من خلال النصوص السردية النسائية التي اطلعنا عليها مغربيا، بأن دراسة الفضاء في القصة القصيرة والرواية ”أساسي لفهم العلاقات بين الرجال والنساء، وخصوصا علاقة الهيمنة ‘(6).
إن تجليات الفضاء في النص السردي تكمن في علاقة الشخصية (الإنسان) بالعالم، وفي رؤيتها المتضمنة في الأفعال والمواقف وفي الرغبات والأحلام، يعني في وجودها كذات قادرة على إدراك الأمكنة الواقعية، وإعادة بنائها رمزيا، انطلاقا من انخراط الجسد والذاكرة بكل حمولتهما في الوقائع والأحداث، وتشابك المصائر، وهو ما يؤكده يوري أيزنزفايك في دراسته ‘ الفضاء المتخيل والإديولوجية ‘، ‘ بأن الفضاء المشخص (…) ليس له معنى إلا في علاقته برغبة الذات وبالغيرية وبالزمنية ‘(7)..
-3-
وهكذا، فمجموعة ‘عناق’ القصصية تنسج علاقات متوترة، سواء في علاقة السارد (الساردة) مع ذاته (ذاتها)، أو في علاقةٍ مع الشخصيات الأخرى الفاعلة في العالم الحكائي، أو في علاقته (ها) بالفضاءات التي يتواجد فيها أو يفكر فيها أو يحلم بها؛ وهذا التوتر، أوعدم الانسجام، طال تفاصيل جميع النصوص تقريبا، وبؤرة ذلك، في نظرنا، تعود إلى العيش في الحاضر بإرث ثقيل يجثم على صدور الشخصيات، لأنها ترى العالم بأشياء مسبقة، تتحكم في تصرفاتها، فالحاضر هو ‘ مستودع للذكريات المتبقية من الماضي’ (باختين)(8)، كما جاء في الصفحة 94 : ‘ كانت الرياح شديدة، كانت تزوبع كل شيء، بدءًا من صدري المشحون بالذكريات’. وهذا الامتزاج بين الحاضر والماضي وتداخلهما جعل الشخصيات تتراوح بين زمنين مستقلين ومترابطين في الآن ذاته، ومنطق السرد في المجموعة أفرز لنا هيمنة الماضي على ما يقع في الحاضر وتوجيهه. وهذا، بطبيعة الحال ما أنتج أحداثا متداخلة، لأن السرد ليس خطيا، بل تتحكم فيه بنية الذهاب والإياب بين لاحق وسابق، فامتزجت الأحداث والوقائع والأجواء والفضاءات. إن رغبة الذات في التخلص من حاضرها، جعلها تستنجد بالذاكرة لاستحضار لحظات ‘ مشرقة ‘، مسكونة بالفرح ومبنية على البساطة. ومن خلال هذه البنية نستشف أن مجموعة ‘عناق’ تستند إلى فضاءين إثنين:
1- فضاء اللاطمأنينة:
تعيش الشخصيات في حاضر غير مرغوب فيه، مليء بالانكسارات والتمزقات، وعدم رضى الذوات بمآلها، ليتعذر تحقق ما كانت تصبو إليه، فكأنها وجدت نفسها في مأزق مدبر لم تجد معه فكاكـًا، فبقيت تصارع وتتألم في صمت؛ تعاني وتكابد هذا الواقع خصوصًا على المستوى النفسي، تقول الساردة: ‘ كان القمر قد توقف عن الرقص أمام عيني منذ سنوات، منذ أن غادرت الجامعة لأتزوج، توقفت اللغة الإنجليزية منذ ذلك اليوم، وبدأت أحلم بشيء ما أفعله لكنني لم أستطع، وبدأت تدب في الهشاشة… هشاشة الفراغ والعدم، لكن زوجي لا يفهم هذه الهشاشة الملعونة’ (ص89). إن كائنات لطيفة لبصير في ‘عناق’ لا تعاني الفقر، ولا تعيش الصراع المرير من أجل المال، بل لها جراحاتها الخاصة، كلما أحست أن ما هو كائن لا يليق بها، وأن المحلوم به وهم كبير ينبغي التخلي عنه. الواقع ينهش الأجساد دون أن تصرخ، ودون أن تحاول تغيير المسار، ويعود كل ذلك إلى العلاقة المعطوبة مع الآخر، الذي يختلف اختلافا كبيرًا مع الساردة أو السارد، ويعيش في عالم خاصٍّ به، منسجم مع نفسه، دون أي اهتمام بخصوصية الطرف الآخر، خصوصا في علاقة الزوج بزوجته (قصة ‘الدعسوقة’، ‘المون ووك’، ‘نأنأة’…)، أو في علاقة الذات بالآخر الذي يسكنها ويضغط على أنفاسها، نشير هنا إلى القصص التالية: ‘ الأرجوحة ‘، ‘ الشقة رقم 24 ‘، ‘ السيدة ج/ك ‘، ‘عناق’…
إن هذا القلق الوجودي تحكيه نصوص ‘عناق’ في لغة سردية كاشفة للأعماق، وعبر علاقات مليئة بالخدوش، من خلال أجساد أتعبها واقعها، وهو ما جعلها تستعيد أو تحلم بواقع آخر مغاير.
2- فضاء الطمأنينة:
تعويضًا لما تعيشه كائنات السرد القصصي في ‘عناق’، في حاضرها، وعدم اقتناعها به، وما سمي في كثير من تفاصيل هذه النصوص بالفراغ، العدم، الرتابة، الخواء، الحزن… التجأت الساردة إلى استعادة الماضي، وبدأت تنسج الحكي من داخل ما يمكن تسميته بـ فضاء الطفولة، تقول الساردة: ‘ (…) كنت أنتعش بطفولتي التي أعيشها رغما عنها، وأدركت أن الزمن في حاجة إلى أطفال يكبرون بطفولتهم…'(ص43). فهي لا تحاول أن تستعيد هذه الطفولة الجميلة فقط، بل تقاوم من أجل إعادة عيشها بالتفاصيل نفسها، للتعالي على الواقع الأكيد، جاء في الصفحة 78: ‘ ينبغي أن تخلقي كائنات أخرى لتعشقيها بجنون، هكذا تبتعدين عنك قليلا(…) ترى هل أستطيع أن أعيد إحياء هذه الكائنات بداخلي؟ ‘، وكانت الساردة تدرك هذه الاستحالة، أو لنقل هذا الوهم، لكنها كانت تتشبت به، من أجل مواجهة العالم وكائناته.
إن فضاء الطفولة هو الفضاء ‘ الحامي والمطمئن’، خصوصا باستحضار لحظات العيش مع الأم، التي توفر الهدوء والحماية النفسية، وتخلق أجواء الفرح بأشيائها الصغيرة والبسيطة، حيث ‘ كل شيء يمرُّ غريبـًا وممتعـًا في آن معـًا ‘(ص57): الطفولة ممتعة عندما نستحضرها بحنين جارف، وغريبة عندما نتأمل تفاصيلها بمنطق عقلاني، يجعلنا نعيد التفكير في كثير من الأمور، ونبدأ في تشييد مسارات أخرى تعيدنا إلى ذواتنا، رغباتنا، أحلامنا.. إلى هشاشتنا التي ‘ تستبد بالروح ‘. لكن حينما يتغير جنس سارد الحكاية يتحول موقع الطمأنينة من الطفولة إلى الفضاء المحلوم به، هكذا فمع السارد المذكر نكون مع المأمول، لكن يتعذر الوصول إليه، لأن هناك عطبـًا في العلاقة، يفرضه واقع الحال، كما هو واضح في قصة ‘عناق’، حيث يتشبث السارد بالمرأة الصحافية التي تعيش بالشقة التي تجاوره، لكن يخيب أمله في الأخير، حين ستصارحه بأن لها علاقة مع امرأة أخرى، فإذا به يصرخ في وجهها قائلا: ‘ كل هذه الأنوثة من أجل امرأة مثلك، هذه الأنوثة في حاجة إلى رجل يعانقها وليس إلى امرأة…'(ص34)، أو في قصة ‘ج/ك’ حيث السارد يمارس الدعارة الرجالية مع سيدة تدفع له مقابل ذلك، ومعها يكون في عذاب أليم، فيبدأ في الحلم بهدى، حبيبته، داخل فضاء الحب الحقيقي، إلا أن القصة لا تنقلنا إلى هدى، مما يجعل حلمه غير قابل للتحقق، يقول السارد: ‘ أتعبتني (ج) وعليَّ أن أؤجل موعد هدى إلى الغد، كانت (ج) قد بدأت تضيق الخناق على مواعيدي الأخرى، وتهدد بنزع ذات اليد عن عنقي'(ص71).
إن أغلب نصوص ‘عناق’ تنبني على المراوحة بين فضاءين مختلفين، يظهر الأول، في حين يتوارى الثاني في خلفية المشهد، لإبراز هذا القلق الذي يستبد بالشخصيات، ويجعلها أكثر هشاشة، وهذا يُـظهر الشخصية الفاعلة في النص فاقدةً لكينونتها، حيث لا تحمل أيَّ اسم يثبت هويتها، فهي هكذا تعيش الضياع، والانشطار بين اللاطمأنينة باعتبارها واقعـًا نفسيـًا يصعب الخروج منه، والطمأنينة المتعذر استعادتها أو تحقيقها..
الهوامش:
لطيفة لبصير: ‘عناق’، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء/ بيروت، ط 1، 2012.
سبق لنا أن تناولنا المكان عند مبدع آخر، ينتمي إلى جيل سابق على جيل لطيفة لبصير، ويعبر عن مرحلة لها انشغالاتها وهمومها، بل لها أفق كتابي مغاير، ضمن مشروع وأسئلة تبتعد وتتقاطع في الآن ذاته، مع هذه الكتابات التسعينية، بالإضافة إلى اعتمادنا على نص يوفر ذلك، بل يكشف عن قصدية الاشتغال على المكان، وذلك في نص ‘منزل اليمام’ لمحمد عز الدين التازي.
سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير، بيروت، ط1، 1985، ص102.
حسن نجمي: شعرية الفضاء، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1،2000، ص 45.
المرجع نفسه، ص 72.
عبد الله العلوي المدغري: التفكير في الرواية، ترجمة ابراهيم أولحيان، دار دال للنشر، سوريا، ط1، 2013، ص167.
الفضاء الروائي، مجموعة من المؤلفين، ترجمة عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء،2002، ص129.
ميخائيل باختين: جمالية الإبداع اللفظي، ترجمة نصر الدين شكير، دار دال للنشر، سوريا، ط1،2011، ص 284.