النيران الروسية

حجم الخط
0

عدد من التصريحات الحادة أوضح في يوم الاحد الماضي أن روسيا لا تنوي مواصلة دور القرد الذي لا يرى أي شيء، وتجاهل الهجمات الإسرائيلية في سوريا، ليس فقط أنها كانت هي الاولى في اتهام إسرائيل بالهجوم على القاعدة السورية قرب حمص، بل إن روسيا أوضحت أن بوتين لم يتم إبلاغه بنية الهجوم. أي أنه تم خرق التنسيق بين إسرائيل وروسيا الذي يمكن سلاح الجو الإسرائيلي من العمل فوق الاراضي السورية. خرق كهذا، رغم أنه لم يكن مقرونا بتهديد رسمي أو ببيان تحذيري، باستثناء «التعبير عن القلق» من شأنه أن يدل على الانحراف عما تم الاتفاق عليه بين روسيا وإسرائيل، ومن شأنه أيضاً التأثير على استمرار التنسيق العسكري الحيوي لإسرائيل.
روسيا لم تكتف بوصف الخرق، بل أرسلت رسالة حادة وواضحة تجاه سياسة إسرائيل في المناطق. وجاء فيها أن «تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين هو تعامل مميز ضدهم ومرفوض» وأن إسرائيل «استخدمت القوة بدون تمييز ضد المدنيين»، في تطرقها للهجمات في قطاع غزة ضد متظاهري «مسيرة العودة». هذا تحذير خطير، لأنه رغم أن روسيا عضوة في الرباعية، فقد اعتادت في السنوات الاخيرة على أخذ موقف المراقب من بعيد الذي تفسيره عدم التدخل في المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، التي تركت ادارتها للولايات المتحدة من دون تحفظ.
الأهم من ذلك هو أنه تطورت بين القدس وموسكو سلسلة من التفاهمات السياسية التي أفادت إسرائيل مثل التصريح الاستثنائي لوزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف. في نيسان/ أبريل الماضي قال الوزير إنه يرى في غربي القدس عاصمة لإسرائيل، خلافا للموقف التقليدي لروسيا الذي يقول إن القدس يجب أن تكون تحت نظام دولي وأن مكانة المدينة ستقرر في مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. كانت تلك هي المرة الاولى التي اعترفت فيها روسيا بغربي القدس عاصمة لإسرائيل، حتى قبل الاعتراف الرسمي لرئيس الولايات المتحدة بها. هذا التصريح لم يمنع من ادانة قرار الرئيس الأمريكي ترامب، لكن روسيا قررت الاعتراف بغربي القدس عندما امتدحت في الاسبوع الماضي «الموقف الحكيم لغربي القدس الذي لم ينجر إلى الهستيريا المناوئة لروسيا»، التي جرت حول تسميم العميل الروسي السابق سيرجيه سكريبال في بريطانيا.
الهدوء السياسي الذي منحته روسيا لإسرائيل في الشأن الفلسطيني، اضافة إلى التنسيق العسكري المؤسس بين سلاحي الجو، ليس مجرد هدية. الكرملين يتوقع من إسرائيل أن تتصرف كحليفة تفهم المصالح الروسية في جبهات أخرى، لا سيما في سوريا. روسيا غير محتاجة لشروحات معمقة حول تصميم إسرائيل على منع نقل السلاح من سوريا إلى حزب الله، ومثل إسرائيل هي تعمل بطريقتها الخاصة من أجل محاولة وقف النفوذ الإيراني.
مثلا، روسيا تدفع أرجل طهران من الوصول إلى الانجازات في الاتفاقات الاقتصادية المستقبلية. وتملي حدود المناطق الآمنة. وهي أيضاً تسيطر وتدير سلسلة من اتفاقات وقف اطلاق النار المحلية بين المتمردين والنظام، مثلما هو الامر في إخلاء مدينة حلب، هي أيضاً مستعدة لمواجهة إيران عندما تشوش عملية سياسية تمت حياكتها في موسكو.
لكن روسيا لن تسمح لإسرائيل بخرق التوازن الرقيق في علاقتها مع إيران ونظام الأسد عن طريق هجمات متكررة، سواء كانت موجهة لأهداف سوريا أو إيرانية. رغم أنها تملي معظم الخطوات الاستراتيجية والعسكرية والسياسية، إلا أن روسيا لا تسيطر بشكل تام على الردود المحتملة لإيران ولا تستطيع ضمان ألا تقرر وحدة سورية الرد بصورة مستقلة على الهجوم الإسرائيلي. هجمات كهذه هي وصفة خطيرة لتدهور عسكري وفتح جبهة أخرى أمام إسرائيل، التي من شأنها أن تجلب لسوريا تدخلاً أمريكياً، بالتحديد في الوقت الذي تقف فيه الولايات المتحدة على شفا الانسحاب من هذه الجبهة.
السياسة الإسرائيلية الموجهة نحو منع تمركز إيران في سوريا لا توضح كيف تنوي إسرائيل تطبيقها. إذا كانت النية هي مواصلة سلسلة الهجمات على قواعد تخدم فيها قوات إيرانية أو مليشيات مؤيدة لإيران، أو أن الامر يتعلق بعملية كبيرة هدفها السيطرة على أراضي الهضبة السورية من أجل خلق منطقة فاصلة، على غرار سيطرة تركيا على المناطق الواقعة على حدودها مع سوريا من أجل تحييد القدرة العسكرية للاكراد. هذان الاحتمالان يقلقان موسكو، التي لن توافق ولن تستطيع العمل كحرس حدود لإسرائيل. اضافة إلى ذلك، إذا كان الجهد الإسرائيلي هو من أجل التوضيح لروسيا أنه يجب عليها العمل ضد إيران إذا كانت لا تريد أن تقوم إسرائيل بذلك، فإنها ستجد نفسها في وضع تذكر فيه روسيا من منهما هي الدولة العظمى، وليس فقط في الجبهة السورية.
إن التطرق الواضح لروسيا لما يجري في غزة والضفة يجب أن يستخدم كإشارة مرور تحذيرية تشير لإسرائيل إلى الحدود القابلة للاحتمال من ناحية روسيا. خلافا لترامب غير المتوقع فإن بوتين سبق وأكد أنه لن يتردد في التصادم مع دول، وفرض عقوبات شديدة مثل التي فرضها على تركيا قبل سنة ونصف. وكما هو معروف، استخدام القوة العسكرية عندما تقتضي المصلحة ذلك. إسرائيل ملزمة باستيعاب حقيقة أنه في سوريا لا تجري حرب بين دول عظمى فيها يتم جر الدول التي تدور في فلكها خلف دولتها العظمى، بل هي جبهة لدولة عظمى واحدة، ومن يريد العمل في المنطقة يجب عليه اللعب حسب قواعدها.

هآرتس 10/4/2018

النيران الروسية
موسكو كانت أول من نسب الهجوم على القاعدة السورية لإسرائيل
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية