هنالك جيل كامل على الأقل لم يحظ باللحاق بحقبة البث الأرضي ما قبل عصر الفضائيات، تلك الحقبة التي كان فيها الاختراع المسمى «الأنتين» أو «الإيريال» وهو الهوائي اللاقط منتشرا على أسطح البيوت والعمارات والمنازل وكان ذوو النعمة المترفون يضيفون إليه ماتورا كهربائيا يعمل على تحريكه 360 درجة لتحسين نوعية الالتقاط للبث، أما الأقل حظا فكانوا يكتفون بخشبة معلق على طرفيها صحنا ألومنيوم يفيان بالحاجة في التقاط البث الأقرب والأقوى لأي محطة أرضية.
من أدبيات تلك الحقبة التاريخية المندثرة، أن هناك فردا في الأسرة (غالبا الأصغر القادر على الحركة الرشيقة) وظيفته الأساسية هي تحريك الهوائي يدويا باستمرار وفي اتجاهات مختلفة إلى أن يتلقى الصرخة الأخيرة من عند من يتابع الشاشة بالتوقف والتسمر وتثبيت الهوائي عند تلك النقطة التي باتت فيها الصورة أوضح ما يكون.
كان هناك خبراء بين تلك الأسر يدمجون بين معرفتهم الجغرافية وحدسهم باتجاه الريح ودمج تلك المعرفة بحركة الهوائي وغالبا ما يتم استشارتهم وكان هذا يضفي عليهم أهمية اجتماعية لا عند الأسرة وحسب، بل عند الجيران وأهل الحارة كذلك.
في مرحلة متأخرة من تلك الحقبة «الطبشورية» في عالم التلفزيون، ظهر اختراع اسمه «البوستر»، وكان يتم تركيبه على الهوائي لتقوية القدرة على التقاط بث المحطات البعيدة، ولم تذكر أي من مخطوطات ووثائق تلك المرحلة شيئا عن حقيقة فعالية هذا الجهاز إلا ما تناقلته الروايات الشفهية من أن «البوستر» كان قادرا على تقوية بث القناة الإسرائيلية الثانية في منطقة بلاد الشام، وهي القناة التي كانت المصدر الرسمي والوحيد للمشاهد الساخنة في الأفلام الأجنبية وبترجمة عربية موجهة للمشاهدين العرب، او قناة الشرق الأوسط التبشيرية والتي كانت الإشاعات «حينها» تقول إنها تبث من فوق سفينة تبحر قرب قبرص في وسط المتوسط.
شخصيا، وبحكم تفوقي في الجغرافيا المدرسية ومعرفة الجهات وغرامي بالأطلس المدرسي المصور، فقد كنت من هؤلاء الخبراء الذين كان يتم استشارتهم وتوظيف معرفتهم البدائية بالجغرافيا في تحريك الهوائي، وبهذا كنت ذا حظوة في الحارة وعند الجيران، ولافتا لانتباه بنت الجيران مما جعلني اتفوق دوما في مادة الجغرافيا المدرسية وما تيسر من علم الأرصاد الجوية.
عصر برامج الترفيه والكلاسيكيات
في التسعينيات، منتصفها تقريبا، بدأت الفضائيات العربية في الظهور والانتشار المحدود، كانت الصحون اللاقطة على أسطح البيوت مؤشرا على تفوق طبقي واقتصادي معين، وطبعا أثر هذا على اختيار السهرات الرمضانية، حيث بدايات موسم بث نوعي مختلف عن التقليدي، فبيت «أبوفلان» مثلا هو مقر السهرات و«أبوفلان» نجم الحارة كلها في ضيافته «التي صارت عبئا ماديا عليه طبعا» مقابل بيت «أبوعلان» الذي لم يعد يزره احد رغم اطايب الطعام التي تعدها «أم علان» قياسا لما تقدمه أم فلان!!
تلك الفترة، أذكرها جيدا، وأذكر أن السقف في المنتج التلفزيوني ارتفع أكثر بكثير مما اعتدناه كمشاهدين على المحطات الأرضية، وكانت الفضائيات العربية الحديثة وقتها تتنافس في الترفيه مع حذر شديد في تغيير مضمون نشرات الأخبار، فالرقيب الأمني لا يزال من ذوي «الأنتين» – بلا مؤاخذة – وفكرة الفضاء التلفزيوني كلها بالنسبة له رجس من عمل الشيطان!!
كان التنافس في نقل الأفلام الأحدث بما تيسر، لكن التنافس الأشد كان بين القنوات اللبنانية الأكثر جرأة في برامج الترفيه والغناء والرقص، ومن «كلاسيكيات» العصر الفضائي الأول، برنامج «يا ليل يا عين»، الذي كان يقدمه اللبناني طوني أبوجودة و زميلته التي التقطت غالبية مشاهدي الفضاء «ماريان خلاط» وساهم البرنامج في تدشين مرحلة برامج الترفيه الغنائي الراقص والاستعراضي فيما بعد.
تحول اللاقط إذن من عمود معدني على أسطح البيوت، إلى وظيفة فضائية، وبدلا من أن يلتقط المشاهد القنوات، صارت القنوات هي التي تتنافس على التقاط المشاهد المرتاح في بيته، وتلك ظاهرة في الالتقاط الجماعي وصلت ذروتها في العصر الفضائي الثاني حيث صار المشاهد، مجرد متلق في حالة استرخاء، وهو ما غير من نمطيات السلوك الاجتماعي بما تتضمنه من قيم اجتماعية وسهرات متبادلة، ونوعية الحوار بين الأفراد والجماعات البشرية في العالم العربي، وبدلا من مناقشة هموم العالم العربي المشتركة، صار النقاش يدور حول البرامج المفضلة وتوزيع أوقات بثها عبر رسائل نصية من هواتف العصر «الخلوي الأول» الذي لم يتطور بعد إلى العصر الديجتالي والهواتف الذكية.
ومع بدايات انحسار الدهشة عن المشاهد – المتلقي في العصر الفضائي الثاني، حدثت وعلى غفلة وبسرعة الثورة المعلوماتية في عالم الهواتف الخلوية، ليصبح الهاتف الذكي عنوان العصر الخلوي الثاني، ودخلت الفضائيات في منافسة عنيفة مع هذه التكنولوجيا الموازية لها، وصار في إمكان صاحب الهاتف أن ينتج برنامجه الترفيهي الخاص أحيانا، وظهرت صناعة ترفيه موازية بحجم راحة اليد، مما جعل عالم الصناعة التلفزيونية الديجيتالي الحديث يندمج مع العصر الخلوي الثاني ويحتويه عبر صناعة ترفيه جديدة من مكوناتها الهاتف الذكي ومشتقاته الجهنمية الجديدة من «فيسبوك» و«تويتر» و«انستغرام»، وصارت أقل تغريدة لنجم ما هي عنوان ومحور برنامج لساعة كاملة على التلفزيون، وطبعا تغيرت السلوكيات المجتمعية للكائنات البشرية في منطقة ما بين الخليج «ما غيره» إلى المحيط «إياه»، دون تغير المحتوى والمضمون كثيرا، فبدلا من الذهاب إلى شيخ مسجد الحي لتلقي فتوى ما مثلا، صارت الفتوى تحت الطلب تصل ملـونة وبالصـوت والصـورة.
أرشيف التلفزيون المصري
ما ذكرني بكل ما ورد أعلاه من تداعيات تاريخية كنت محظوظا كرجل موغل في أربعينه هو متابعتي لنوعية جديدة من القنوات بدأت تظهر، متخصصة في إعادة بث ما كانت تبثه القنوات الأرضية في ذلك الزمن الطبشوري آنف الذكر أعلاه، خصوصا قناة «ماسبيرو زمان»، وهي المتخصصة في إعادة بث أرشيف التلفزيون المصري ما قبل عصر الفضائيات، وغير ماسبيرو زمان من قنوات بدأت تتكاثر لتجعلني كمشاهد أؤمن بضرورة تحنيط جزء من ذاكرتي الشخصية في متحف والاستمتاع بها بصفة متلق، لا حول له ولا قوة.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة