صراع الشوارع
واقعيا لم تتوقف تعبئة الشارع من جميع الأطراف طيلة فترة ما بعد الثورة، حكومة ومعارضة، غير انه في الفترة الأخيرة حاولت المعارضة التونسية تعبئة الشارع والتهيئة للإطاحة بالحكومة، من خلال ما سمي باعتصام الرحيل والتحركات التي رافقته، وقد حاولت المعارضة قبلها الاستفادة من التجربة المصرية باستنساخ حملة ‘تمرد’، وقد داعب خيالات زعمائها ما جرى من انقلاب في مصر، وهو أمر تصور بعض قوى المعارضة انه يمكن تعبئة الشارع لتحقيقه بصورة أو بأخرى، من دون أن يعني هذا أن الترويكا لم تقم بدورها بتعبئة شارعها ودعوته للاحتشاد، رغم أنها تجنبت الدعوة إلى التصادم خلافا لرغبة بعض أطراف ما يسمى بجبهة الإنقاذ، التي تصورت للحظة أنها ستجتاح مقرات السيادة (وزارات، ولايات، معتمديات) وتقوم بتنصيب مسؤولين جدد، ثم الإعلان عن حكومة إنقاذ وطني وحل المجلس التأسيسي، وهو أمر ظل حلما اقرب إلى الوهم السياسي مما هو تخطيط قابل للتحقق. وبهذا المعنى فشلت لعبة تعبئة الشارع التونسي وربما كانت أهم عوامل فشل التجييش هي رفض الشارع التونسي للتجاذب السياسي ويأسه من العملية السياسية برمتها، وافتقاده للثقة في خطابات السياسيين الذين قدموا طويلا خطابات رنانة ولكنهم سقطوا عند امتحان الممارسة، خاصة بالنسبة لأولئك الذين كانوا أعضاء في المجلس التأسيسي ثم انسحبوا منه بعد أن اغترفوا من مال الشعب واستفادوا من الحصانة قبل أن يتركوا الجماهير التي انتخبتهم وحيدة.
محاولة الانقلاب
إن ما يميز الكثير من القوى السياسية التونسية، هو اعتقادها أن الساحة السياسية هي ساحة حرب اجتماعية لا تفتر، يجوز فيها استخدام كل الوسائل اللاقانونية واللااخلاقية، وهو أمر تجلى في استخدام التسريبات الصحافية والتسجيلات السرية والتشويه الإعلامي، ومحاولة إسقاط الخصم الحاكم بكل الوسائل والطرق، حيث أصبحت الممارسة السياسية في غالب الأحيان إستراتيجية للكسب أو للحماية أو للمصالح الخاصة، وأصبحت الماركنتيلية والانتهازية والزبونية وكل أساليب الاحتيال والغش والكذب رديفة للفعل السياسي، إلى حد الدعوة العلنية والصريحة إلى الانقلاب العسكري أو الأمني، وتحريض أجهزة الدولة على الخروج على حكم الترويكا، وقد تواطأت على هذا الفعل مجموعات سياسية ورجال أعمال وحتى قوى خارجية تريد إعادة تشكيل المشهد السياسي التونسي. في المقابل فإن الترويكا لم تبق مكتوفة الأيدي حيث عمدت إلى جملة من التغييرات في المواقع الحساسة للأجهزة الأمنية والعسكرية وحتى الإدارية العليا، خاصة بعد الانقلاب المصري لتجهض بذلك أي فرصة للانقلاب عبر القوة الصلبة. وهنا اندفع الطرف المقابل إلى فكرة الضغط عبر المؤسسات المدنية التي تقع في مجال نفوذه ونعني بها تحديدا اتحاد العمال واتحاد الأعراف ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، لإجبار الحكومة على الاستقالة وتعيين حكومة جديدة، في محاولة اعتبرتها الترويكا الحاكمة ومعها القوى الثورية، محاولة للانقلاب عبر القوة اللينة، ومن خلال تشكيل حكومي موال للمعارضة سيلغي أي إمكانية لمواصلة الانتقال الديمقراطي، خاصة في ظل دعوات بعض أجزاء جبهة الإنقاذ إلى حل التأسيسي ورفض الدستور الذي يوشك على الاكتمال والعودة إلى الحالة الصفرية التي كانت قائمة اثر فرار المخلوع .
الحوار الوطني
لم يكن الحوار الوطني مطروحا من قبل بالصيغة التي عليها اليوم، خاصة وقد كان مشروطا بإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي، غير أن توازنات الواقع السياسي وطبيعة الرهان الخارجي على الوضع الداخلي التونسي دفع الأطراف السياسية إلى محاولة إيجاد مربعات للتواصل بينها، وهو أمر بدأ باجتماع شهير بين الغنوشي، زعيم النهضة، والسبسي رئيس حزب نداء تونس، في فرنسا، مع ما يحمله المكان من شحنات رمزية ومن معنى، ثم تطور إلى لقاءات متعددة بين رموز الترويكا وممثلي الرباعية الراعية للحوار لتصل في النهاية حالة التوافقات للتفاهم على حوار وطني خارج الاشتراطات المسبقة، أو منطق تجريد الخصم من كل أدوات قوته، من دون أن يعني هذا أن منطق الحسابات والرغبة في الإلغاء قد ابتعدت عن ذهن هذا الطرف او ذاك. إنها لعبة اكراهات التعايش ولعنة التوازنات المفروضة في ظل ديمقراطية ناشئة تتعرض لتآمر القريب والبعيد ممن لا يعجبهم منطق الاحتكام إلى الصندوق أو إرساء نموذج ديمقراطي عربي يكون فيه الشعب هو بيضة القبان وأداة حسم الاختلاف السياسي والحزبي.
إن ما تعيشه تونس اليوم من حالة ارتباك سياسي ناجم عن غياب ثقافة الديمقراطية التي يفترض أن تتجسد في الذهنيات والمسلكيات، إن المعيار الحقيقي للتطور السياسي في بلادنا اليوم، كما في العقود القادمة، ليس فقط في استكمال وتنقيح النصوص القانونية والدستورية، بقدر ما هو كامن في تمثل الثقافة الديمقراطية والإيمان بمنطق التداول الذي يرفضه البعض، سواء تحت شعار الايديولوجيا أو بمنطق المصلحة وراية التـــــوافق، فالطموح إلى إرساء دولة القانون يتطلب أولا تخليق الحياة السياسية وشحذ أخلاق الضمير وتنمية أخلاق المسؤولية، بشكل يضبط الممارسة السياسية ضبطا قانونيا، إضافة إلى أشكال الضبط التقليدية المعروفة الأخلاقية والدينية.
‘ باحث في الفكر السياسي ـ تــــونسفي ذكرى السادس