تبرز أحداث «مسيرة العودة» في حجمها الجماهيري. يخيل أنه منذ الانتفاضة الاولى أنه لم يكن هناك في الساحة الفلسطينية حدث كثرة المشاركين، كذاك الذي أثارته هذه المسيرة على طول حدود قطاع غزة في يومها الاول، يوم الارض 30 آذار/مارس، وفي الاسبوع التالي. وفي نظر المنظمين، هذه خطوة بداية في سلسلة خطوات ستصل ذروتها في 15 أيار/مايو. وعدد القتلى الأعلى من المتوسط في الاحداث الجماهير التي وقعت في السنوات الاخيرة، وعن العدد الكبير من الجرحى، تبعث بين الفلسطينيين من جهة التطلع إلى الثأر كما تزيد لدى الكثيرين الدافع للخروج إلى التظاهر. وبالمقابل ثمة في عدد القتلى والجرحى ما يردع كثيرين آخرين من استمرار النشاط على طول الجدار الحدودي.
يبدو أنه بدأ هنا فصل جديد في أنماط الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، حيث يتصدى الجمهور الفلسطيني للحسم أي من الطريقين اللذين تتخذهما القيادتان، تلك التي في رام الله وتلك التي في غزة، يجدر به أن يتبناه كالطريق المفضل للشعب الفلسطيني. وفي الخلفية يصدح فشل الطريقين، طريق المفاوضات والتنسيق الأمني لقيادة السلطة الفلسطينية من جهة، وطريق المقاومة المسلحة لحماس، والذي تصاعد الشك في شرعيته بعد حملة الجرف الصامد في صيف 2014. هذه ذروة مسيرة، بدايتها تعود إلى الانتفاضة الاولى التي نشبت في نهاية 1987. فقد تبين في حينه بسرعة بأن منفذيها يعتزمون، بموجات الدعم الدولي الواسع الذي حظيت به، أن يغيروا طرق الكفاح وينتقلوا من العنف إلى الحوار، من الحياة بدلا من إسرائيل إلى الحياة إلى جانبها، التطور الذي سرع الاعلان عن قيام حركة حماس، التي رأت في الاتجاه الذي يتصدره منفذو الانتفاضة، رجال فتح والتيار الوطني الفلسطيني، مصيبة ستؤدي إلى ضياع الامل لغعادة اللاجئين إلى ديارهم وإعادة بناء الشعب الفلسطيني من البؤس الذي فرضته عليه النكبة. بعد بضعة أيام من إعلان المجلس الوطني الفلسطيني الاستقلال الفلسطيني (15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988) توجه منشور من القيادة الوطنية الموحدة لحماس، وبنبرة تسيدية دعاها للتسليم بالاعلان، والكف عن زرع الانشقاق في أوساط الشعب الفلسطيني، ودمج كل القوات الموالية لها في أتون الانصهار للانتفاضة.
كانت هذه بداية الصراع، الذي ارتدى طابع صراع الجبابرة، بين الفصيلين اللذين يمثل كل منهما واحداً من الطريقين والفكرين، ذوي المعتقدات والاساسات الصلبة. حتى ذلك الحين تمتعت الحركة الوطنية الفلسطينية و«فتح» على رأسها، بمكانة حصرية. فالفكرة الوطنية التي قادتها منحت إحساساً مريحاً لكل من رأى نفسه فلسطينيا. فقد آمنت الحركة بالعروبة، شريطة أن تترسخ الهوية الفلسطينية وتتلقى مظاهرها السيادية. أما حماس، في المقابل، فتتحدث بتعابير دينية وطنية، ولا ترى في السيادة الفلسطينية موضوعا مقدسا، وتعتقد بأن لا تضارب بين الهوية الفلسطينية والهوية الإسلامية، فهذان هما عنصران يكمل الواحد الآخر ولا يمسان بالهوية الاصيلة الاولى. لقد كان هذا تحديا جسيما طرحته حماس أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، شكّكت بطهارة مقاييسها وخلقت مصدر جذب لكثيرين ساروا وراءها. والخوف من ضياع فلسطين الذي أثاره إعلان الاستقلال في 1988 في أوساط المعسكر الديني والمحافظ، وجد ملجأ في بيته السياسي الذي خلقته حماس في حينه.
اليوم، مع مرور نحو 30 سنة عن ذاك المؤتمر، تقف الواحدة قبالة الاخرى حركتان مستنزفتان وممزقتا الاعصاب، وجمهور واسع دهش، خائب الامل وضائع الطريق وبغياب زعامة قادرة على أن تقوده بشكل جماعي لحل يضع حداً للمعاناة المتواصلة. «فتح» بقيادة أبو مازن تتمتع بمكانة الصدارة، بصفتها الجسم الممثل الذي نال اعترافا دوليا واسعا، تحوز تقريبا كل مقدرات الشعب الفلسطيني، تشكل عنوانا لكل مساعدة وتبرع يأتي من الدول الملتزمة بالاتفاقات الدولية أو ترى نفسها جزءاً من هذه الاسرة. ولكنها تعاني من تآكل متواصل في مكانتها في أوساط الجمهور، الذي يرى فشلاً في استمرار حكمها، في فسادها، وفي عدم قدرتها على تحقيق طريقها السياسي.
ويعود الجمهور ليعطي ذلك تعبيراً في الاستطلاعات الكثيرة التي تجرى في المناطق التي تحت سيطرتها. أما حماس، بالمقابل، فركبت لسنوات طويلة على موجة «الرفض الراديكالي». فتصلبها، وعدم استعدادها للحديث بتعابير الحل الوسط، العمليات الكثيرة التي نفذتها في إسرائيل أو ضد إسرائيليين، كل هذه منحتها مكانة بطولية، غير مرة وضعت في الحرج، خصمها فتح. ولكن حماس آخذة في فقدان التأييد الجماهيري منذ الانقلاب الذي نفذته في القطاع في 2007، مع انكشاف الفجوة بين الاقوال والافعال، بين التمسك بالمقاومة المسلحة وبين الأخذ بالمسؤولية كحكم، وبقوة أكبر بعد ثلاث حملات عسكرية واسعة، اصطدمت فيها بقوات الجيش الإسرائيلي وخرجت بصعوبة. في المواجهة الاخيرة، الجرف الصامد 2014، اضطرت حماس لأن تتصدى لنقد جماهيري وجه لـ «المقاومة المسلحة»، عصفور روحها. ومنذئذ، فإن علامة الاستفهام الموضوعة أمام هذا الخيار واضحة وتلزمها بالحذر.
وجاء دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الابيض، وتبنيه الموقف الإسرائيلي ـ كما قال أبو مازن بشكل خاص ويقول الفلسطينيون بشكل عام ـ في مسألة النزاع، اعترافه بالقدس كعاصمة إسرائيل (6 كانون الاول/ديمسبر 2017) ونيته نقل السفارة الأمريكية إلى هناك، أخرجت الولايات المتحدة من موقف «الوسيط النزيه» الذي تمتعت به حتى الآن وأزالت عن جدول الاعمال الفلسطيني كل محاولة للتقدم في المفاوضات بقيادة أمريكية. هذا هو المأزق الأعمق الذي علقت فيه القضية الفلسطينية منذ بدأت المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين بوساطة أمريكية. ولكن بالمقابل، يدور الحديث عن نسغ مكتمل بالنسبة لمن يبحث عن الربط بين شطري الشعب الفلسطيني.
وعليه، ففي أحداث الجدار أيضاً بعد من الوحدة، يتجاوز المنافسة الفظة الجارية بين المعسكرين. أبو مازن، على نحو شبه مؤكد، كان سيتوجه إلى مجلس الامن كي يبحث في التصعيد الذي ادى إلى وفاة 29 فلسطينيا، حتى لو لم تكن حماس مشاركة في هذه الاحداث. وقد كان هو الذي قرر تأجيل فرض العقوبات على غزة في هذه الاثناء، والتي كان تعهد بها مؤخراً حين أطلق انتقاداً حاداً على حماس وعلى محاولة الاغتيال لرجاله: رئيس الوزراء رامي الحمدالله ورئيس المخابرات ماجد فرج، فإعادة المسألة الفلسطينية إلى مركز جدول الاعمال الدولي تخدم سياسته أيضاً.
عملياً، أثبت قطاع غزة في أحداث «مسيرة العودة» ما كان معروفا منذ الانتفاضة الاولى. فقد كان القطاع هو الذي أثار الانتفاضة، بخروج الشيوخ، النساء والاطفال إلى الشوارع وإعطاء تعبير حقيقي عن قوة البعد الجماهيري. كما كان القطاع الاول في الكفاح، منذ السنة الثانية من الانتفاضة الشعبية، بمظاهرها السلبية وأدى إلى خبوها. فالضائقة القاسية، وكذا إحساس الدونية والظلم السائدين في القطاع، هي مادة اشتعال تخلق رواسب وتتفجر عندما تكون الساعة ناضجة والذريعة الفورية موجودة. أما الواقع اليوم فأصعب حتى من الماضي، والانقسام بين الطرفين فاقم الضعف الفلسطيني لدرجة الشلل. ولكن إعلان القدس من جانب الرئيس ترامب وتصريحه بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة خلقا قاسما مشتركا، ربط بين كل مراكز القوة الفلسطينية: مؤيدو حماس، أبو مازن ومعارضو الجهتين على حد سواء.
ومع ذلك، مشكوك جدا أن تتمكن عموم هذه الجهات من أن تستخلص من البعد الجماهيري للاحتجاج الانجازات التي استخلصوها في الانتفاضة الاولى. وذلك رغم شك الجمهور بصدق نوايا القيادتين، غياب الدعم الدولي والعربي حتى الان، واضافة إلى الردع الذي تخلقه إسرائيل في ردها على التظاهرات. بالمقابل تجدر الاشارة إلى أن يومي الجمعة الاولين منذ بدأت هذه الاحداث يفيدان بأن البعد الجماهيري لم يفقد من قوته. كما أن حقيقة ان الارتفاع في حجم العمليات والاحتكاك مع إسرائيل منذ «اعلان القدس» لترامب يتواصلان لفترة زمنية أطول من المعتاد منذ صيف 2014، تفيد بأنه توجد طاقة قادرة على أن تغذي مزيداً من النشاط من هذا النوع.
أساس الاختبار هو لحماس، بصفتها الحاكم في القطاع. فهل ستنجح من خلال «مسيرة العودة» التي تقودها وإن لم تبادر اليها، في توسيع القاسم المشترك بين المعسكرين الفلسطينيين المتخاصمين، في زيادة الدافعية للمشاركة والابقاء على التوتر والتصعيد بجوار الجدار، حتى الذروة المخطط لها في 15 أيار/مايو، أم ربما تكتفي بمحاولة إلقاء المسؤولية عن فشل المصالحة الفلسطينية الداخلية والواقع الداخلي الضعيف على قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله؟ الايام ستقول.
إسرائيل من ناحيتها، بالتوازي مع سعيها لاحتواء أحداث الجدار ومنع الانتقال إلى تصعيد جارف، وبينما تؤيد طلب أبو مازن، «قانون واحد وسلاح واحد» في الساحة الفلسطينية، تضطر إلى التصدي لنتائج تفاقم المشاكل الإنسانية السائدة في قطاع غزة والتي مصدرها، ضمن أمور أخرى، في العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على حماس، وعليه فسيتعين عليها أن تساعد في تجنيد التبرعات التي غايتها التخفيف من الضائقة السائدة في القطاع.
نظرة عليا 17/4/2018