ستيفن هوكنغ من باحث علمي إلى نجم شعبي ورمز للثقافة البريطانية

رحل مؤخرا العالم البريطاني ستيفن هوكنغ (1942 ـ 2018)، أستاذ الفيزياء الشهير في جامعة كامبريدج، بعد حياة حافلة في عالم الفيزياء الكونية وعدة ميادين أخرى، فبعد أن كان شخصية علمية بارزة، تحول بالإضافة إلى ذلك إلى نجم في الإعلام والثقافة الشعبية ورمزا للثقافة البريطانية. وهو الذي قضى أغلب حياته مقعدا، لكنه استطاع أن يحقق الكثير على الرغم من ذلك، وقد ساعدته التكنولوجيا الحديثة في التعامل مع مشاكله الصحية، وقد يكون أهمها ذلك الجهاز الإلكتروني الذي مكّنه من التخاطب مع الآخرين.

التصميم العظيم

«التصميم العظيم» أحد أهم المؤلفات الذي كتبه هوكنغ بالاشتراك مع ليونارد ملوديناو، الأستاذ في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وقد نشر عام 2010 وأصبح أحد أكثر الكتب مبيعا في العالم. يبدأ الكتاب بالقول إن القوانين الفيزيائية الكلاسيكية، التي كانت تستعمل لتفسير حركة الكواكب حتى بداية القرن العشرين، كانت غير مجدية لتفسير حركة الذرات، ولذلك توصل العلماء إلى نظرية الكم التي تختلف في أسسها عن تلك التقليدية، وإن النظريات (التقليدية والكم) وجميع النظريات الأخرى في جميع العلوم ليست سوى أجزاء صغيرة من النظرية العامة الشاملة لكل شيء، والتي أطلق عليها اسم «النظرية ميم» (Theory M). وأهم ما تنص عليه هذه النظرية هو وجود عدد غير متناه من أكوان أخرى، والتي يختلف كل منها عن الآخر، وتكونت جميعا نتيجة لـ«الانفجار العظيم». ويحاول الكتاب تفسير وجود قوانين الفيزياء وسبب وجود الجنس البشري وإمكانية ظهور شيء من لا شيء.
ويقدم الكتاب نبذة طريفة عن تاريخ دراسة العلوم بشكل عام والكون بشكل خاص، التي كان الفلاسفة قديما قائمين عليها، ثم حل العلماء محلهم، وتميز هؤلاء عن سابقيهم باستعمال الرياضيات والتجارب العملية لتطوير مفاهيمهم. وهنا يبدأ شرحا عن كيفية تطور العلوم من عصر البابليين ومن بعدهم اليونانيون، الذين يسهب مؤلفا الكتاب في تقدير دورهم في تطوير العلم في مجالي الرياضيات والفلسفة، وبشكل خاص نظرية «فيثاغورس» التي يقر الكتاب في الحقيقة أنها لم تكن من إبداع «فيثاغورس» لأنها كانت معروفة قبله. بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى العصور الوسطى ومحاولات بعض القسسة دراسة بعض الظواهر العلمية، على الرغم من معارضة الكنيسة لهذه المحاولات، حتى ظهر البولندي كوبرنيكوس (1473 ـ 1543)، الذي قال إن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وإن الأرض ليست مركز الكون، وعلى الرغم من أدعاء كوبرنيكوس بأن الأرض تكاد أن تكون في مركز الكون، وكيف قامت الكنيسة باضطهاد غاليليو لتأييده لكوبرنيكوس. ومع انتقال الكتاب من مرحلة إلى أخرى فإنه ينتقد فقدان التحليل العلمي لدى العلماء في بداية العصور الحديثة ومحاولتهم تفسير الظواهر العلمية بشكل غير علمي، أو مناسب لاعتقاداتهم الدينية مثل كيبلر (1571 ـ 1630) ونيوتن (1643 ـ 1727)، فالعالم الفرنسي بيير دي لابلاس (1749 ـ 1827) كان من قدم المفهوم الفلسفي القائل، إن كل حدث، مهما كان نوعه، يحدث وبشكل تام نتيجة لأسباب كانت قد وقعت قبله. ويستنتج الكتاب أن القوانين الكلاسيكية ونظرية الكم تعملان في تناسق وتتحكمان بالكون وحتى تصرفات الإنسان وقراراته اليومية. ولذلك فإنه بالإمكان التعبير عن أي صفة بشرية أو كونية بمعادلات رياضية، والغريب هنا أن الكتاب يقول أيضا إن غالبية القرارات التي يتخذها الناس غير منطقية وهذا يناقض ما قاله سابقا. وينتقل الكتاب إلى مفهومي «الانفجار العظيم» و«الثقب الأسود»، ويوضح أنه على نقيض ما كان معروفا فإن الثقب الأسود يشع جسيمات أصغر من الذرة، فقد كان العلماء يعتقدون أن «الثقب الأسود» لا يسمح لأي شيء بمغادرته، نظرا لجاذبيته الكبيرة. ويطرح الكتاب فكرة احتمال أن ما يشاهده ويختبره الإنسان الحالي قد يكون صورة مشوهة من الواقع، بل إنها قد تكون مغايرة تماما للحقيقة، حتى أننا قد نعيش في عالم تحت سيطرة كائنات فوق عالمنا هذا وتتحكم بنا.

مديح ونقد

وما أن ظهر الكتاب في الأسواق حتى بدأت المقالات تظهر في الصحف وكانت مليئة بالمديح لهذا العمل الجبار. فقد اندهش البعض لكون نظرية «فيثاغورس» لم تكن من أعمال «فيثاغورس» نفسه، ولم يكن هناك داع لذلك الاندهاش، فمتتبعو تاريخ العلوم كانوا يعرفون ذلك منذ فترة طويلة، وأن أول من ذكر هذه النظرية كانوا البابليين الذين لم يكونوا مؤسسي علم الرياضيات، حيث أن السومريين كانوا الأوائل في هذا المجال. وأما رأي المؤلفين عن مفهوم التحليل والاستنتاج العلمي، فقد كانا على خطأ لأن هذا المفهوم كان قد بدأ منذ بداية الإنسان، ولكن بشكل بدائي جدا، ولا يزال يتطور حتى الآن. وقال أحد المعلقين إن ما تعلمناه جميعا من الكتاب كان تكون الضوء من نوع من الجسيمات تدعى الفوتونات، ولكن كل طالب علوم في ثانوية يعرف ذلك. والانتقادات للكتاب لا تتوقف هنا، فقد أسهب بعض العلماء في طرح آرائهم. فمن الممكن القول إن الكتاب يتكون من معلومات معروفة لدى الخبراء وهواة علم الفيزياء حول قوانين الفيزياء الكلاسيكية ونظرية النسبية ونظرية الخيوط التي تنص على أن كل الجسيمات تتكون في الحقيقة من خيوط تهتز وفق تردد محدد. وكذلك فكرة طرح مفهوم التناسق بين القوانين الكلاسيكية ونظرية الكم، فقد اعتمد على فكرة غير مكتملة على الإطلاق، ولا تزال بحاجة إلى الكثير من الأبحاث.

هوكنغ والإعلام

ظهر ستيفن هوكنغ في الإعلام العالمي لأول مرة عام 1988 عندما نشر كتابه الأول «تاريخ موجز للزمن» الذي بيع منه عشرة ملايين نسخة، ويعتبر هذا رقما يكاد يكون خياليا في عالم الكتب العلمية الشعبية الموجهة لغير المختصين، فقد أصبح هذا الكتاب بالنسبة للكثيرين خير طريقة لإظهار مستواهم الثقافي الرفيع، سواء فهموه أم لم يفهموه، وكان الحال كذلك بالنسبة لبقية كتبه التي من المؤكد أن الكثيرين لم يفهموها، ولكن هذا غير مهم، فالمهم أن يقول المرء إنه قرأ كتاب لهوكنغ، الذي انطلق ليصبح أشهر شخصية علمية في العالم حتى وفاته، على الرغم من أن أغلب أبحاثه العلمية كانت قد تمت قبل كتابه الأول.

النجم الشعبي

كذلك تحول هوكنغ إلى شخصية سينمائية، حيث مثّل في مسلسل «ستار ترك: الجيل التالي» التلفزيوني، ويجب أن نضيف أن شريكه في الكتاب المذكور أعلاه كان مستشارا لهذا المسلسل، كما ظهر في عدة برامج تلفزيونية. وأصبح هوكنغ متحدثا في الكثير من المواضيع البعيدة عن الفيزياء، فقد قال في مقابلة له قدمها الأمريكي لاري كنغ، إنه فهم الكثير عن الحياة إلا انه لم يفهم النساء! وقال في مقابلة أخرى إن الإنسان يخرب كوكب الأرض وعليه أن يفكر جديا في الانتقال إلى كوكب آخر، وحذّر عدة مرات من عواقب الاتصال بمخلوقات ذكية من خارج كوكب الأرض. كذلك تم إنتاج فيلم عنه عام 2014 وحصل الممثل أدي ريدمَين على جائزة الأوسكار لتمثيله دور «هوكنغ». وطالما نحن نتكلم عن الأفلام، فقد أنتج مسلسل تلفزيوني عن كتاب «التصميم العظيم» قدمه الممثل البريطاني بندكت كومبرباتش إلى جانب هوكنغ نفسه. وهناك من رأى أن مشكلة هوكنغ الصحية فادته، فمن المحتمل أن الكثيرين أرادوا مشاهدة هذا الغريب الشكل الذي يعرف عن أشياء هي ليست سوى خيالات بالنسبة لهم، واستطاع التغلب على جميع مشاكله. ونحن نستطيع أن نقول إن هوكنغ أو الفريق المحيط به كان يعرف جيدا كيف يدعم مظهره الإعلامي، ما دعم مبيعات كتبه ومركزه في الإعلام العالمي. ورغم مكانة هوكنغ وإنجازاته، إلا أنه يعتبر خير دليل على قوة الإعلام وقابليته على خلق شخصيات علمية أو أدبية تبدو مؤثرة على الثقافة العامة، وهو بالتأكيد ليس الأول أو الأخير في هذا، فقد كان قبله «كارل ساغان» (1934 ـ 1996)، وفي الوقت الحالي لدينا نيل ديكراس تايسن الذي أصبح الأشهر في الإعلام العلمي الشعبي بعد وفاة هوكنغ.

٭ كاتب عراقي

ستيفن هوكنغ من باحث علمي إلى نجم شعبي ورمز للثقافة البريطانية

زيد خلدون جميل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية