الموت لم ينسحب بعد

حجم الخط
0

«أمامك ثلاثة مسدسات. في كل مسدس تسع رصاصات. فكم رصاصة يمكنك ان تطلق؟»، «ضع خطاً بين عدد الأسلحة وعدد القتلى المتوقعين»، «مقاتلو الخلافة شنوا هجوما ضد جنود العدو من سبع بؤر، إذا كان في كل بؤرة سبعة مقاتلين فكم مقاتلاً بالمجموع شاركوا في المعركة؟». هذه الأسئلة، مرفقة برسومات مفصلة، تلقاها سليمان ابراهيم، الباحث في موقع سوريا دايركت. وقد صورت من كتب التعليم في مدرسة ابتدائية في إحدى البلدات في جنوب سوريا. في المنطقة المسمّاة «حوض اليرموك»، على حدود هضبة الجولان والاردن، لا تزال تسيطر قوات داعش ممن يقيمون نمط حياة مشابهاً لذاك الذي أداروه في المدن التي احتلوها في العراق وفي سوريا، مثل دير الزور أو الرقة، ولكن على مقياس أصغر بكثير. هكذا رغم أن الحرب ضد داعش في العراق وفي سوريا انتهت رسميا، فإن التنظيم لا يزال متواجداً في جيوب صغيرة في هاتين الدولتين.
ظاهراً، لم تعد وحدات داعش تشكل تحديا عسكريا هاما لقوات الجيش السوري والعراقي، وتكاد لا تنشغل بها دول التحالف الغربي ولا سيما بسبب مكانها في أوساط السكان المدنيين ولأنها لا تخلق التواصل الاقليمي الذي كان في أساس فكرة الدولة الإسلامية. ولكن بالنسبة لسكان تلك الجيوب، فإن الحياة تحت نظام شريعة متشدد، بما في ذلك الاعدامات، لم تنته. ولكن سلّم الاولويات العسكري تغير.
فإذا كان سكان هذه الجيوب يتوقعون قبل بضعة أشهر أن تزيح جيوش التحالف عنهم أيضاً رعب داعش، فقد تبدد هذا الامل وسيضطرون إلى الانتظار إلى أن تتفرغ الحكومة السورية لهم.
قد يكون هذا انتظاراً طويلاً، إذا ما حكمنا على الأمور وفقاً لوتيرة تقدم قوات الأسد في مناطق حيوية أكثر في سوريا. في الاسبوع الماضي فقط، بعد أشهر من القتال نجح النظام في السيطرة على الغوطة الشرقية، في ظل الاستخدام للسلاح الكيميائي والمساعدة المكثفة من روسيا التي حققت أيضاً اتفاقا لاخلاء مقاتلي ميليشيا جيش الإسلام وهكذا نقلت الغوطة إلى السيطرة الكاملة للنظام. ومن المتوقع للمعركة التالية أن تقع في ادلب، وبعدها ربما سيحاول الجيش السوري السيطرة بشكل كامل على جنوب سوريا أيضاً، حين لا يكون أي اتفاق في مسألة المناطق الكردية التي اجتاحتها تركيا. لا تزال الانتصارات العسكرية لسوريا وروسيا لا تمنح المواطنين السوريين الاحساس بالنهاية إذ بعد السيطرة العسكرية تبدأ مرحلة السطو، التنكيل، الاعتقالات والقمع لكل من اعتبر متعاوناً مع قوات الميليشيات. فتجربة المواطنين في مدن أخرى انتقلت من أيدي الميليشيات إلى أيدي النظام دفعت منظمات الاغاثة في مدينة الغوطة إلى الاسراع لجمع كل الوثائق الممكنة وحرقها منعاً لسقوطها في ايدي السلطات. فقد طلب من الأطباء إبادة التسجيلات الطبية. وأبعدت فروع مكاتب الاغاثة كل السجلات للمواطنين الذين تلقوا الغذاء او الملابس، ويحتمل أن تكون تسجيلات الولادات والوفيات التي تمت في فترة سيطرة الميليشيات في المدينة قد دمرت.
والتخوف المبرر هو أن تستخدم هذه الوثائق حجة بيد قوات النظام لاعتقال كل من أُدرج اسمه في قوائم متلقي المساعدة من منظمات الاغاثة للاشتباه بالتعاون مع معارضي النظام. وكدليل على ذلك نشرت مؤخراً محافل المعارضة فيلماً ظهر فيه صحافي شبكة التلفزيون السورية وهو يجمع الوثائق التي تبقت في مستشفى محلي. وسوء استخدام مثل هذه الوثائق ليس اختراعا سوريا مميزا. ففي العراق أيضاً لا تزال الشرطة تستخدم الوثائق التي أُمسكت في المدن التي سيطر فيها داعش كي تعد قوائم سوداء من المشبوهين بالتعاون.
هذه أيضاً المرحلة التي تبدأ فيها تصفية الحسابات ليس فقط بين النظام والمواطنين «المعادين»، بل وأيضاً بين السكان أنفسهم. فحسب تقارير من الغوطة ومدن أخرى، ينقل المواطنون المعلومات إلى القوات العسكرية عن جيرانهم بل وأحياناً عن أبناء عائلاتهم الذين في مساعيهم للبقاء تعاونوا مع الميليشيات وحظيوا بناء على ذلك على بعض الامتيازات.
وفي الوقت نفسه بدأ سكان الغوطة البحث عن مكان دفن أقربائهم بين أنقاض آلاف المنازل التي تضررت في القصف. وهذه مهمة طويلة، تهز أركان عشرات آلاف المواطنين الذين فر بعضهم من المدينة ويحاولون الآن العودة اليها. ولكن مقابل المدن التي سيطر فيه داعش، فإن اكتشاف الجثث في الغوطة لا ينطوي على خطر على الارواح جراء العبوات الناسفة التي خلفتها الميليشيات.
أحد لا يتحدث بعد عن إعمار مدن مثل الرقة، دير الزور والآن الغوطة الشرقية. سوريا لا تزال بعيدة عن تقدير حقيقي للأضرار أو عن صيغة تمويل لإعمارها. ولكن من بعيد يمكنها أن تتعلم من عملية الاعمار الطويلة للعراق والتي لا تزال لم تنته بعد. أحد رموز الإعمار في هذا البلد الاخير هو مدينة تكريت حيث أقام صدام حسين فيها وحولها أكثر من 160 قصراً. وفي هذه الأيام تحاول الحكومة تحويلها إلى مواقع سياحية. ونشرت إعلانات لإعمارها وترميمها وتحويلها إلى مصدر دخل من السياحة. ولعله هكذا تبدأ مسيرة الاشفاء من الحرب إياها التي يحيون هذه الاسابيع 15 سنة على اندلاعها. في سوريا لا يزالون يحصون القتلى.

تسفي برئيل
هآرتس 17/4/2018

 

الموت لم ينسحب بعد
الانتصارات العسكرية لسوريا وروسيا لا تمنح المواطنين الإحساس بنهاية المأساة
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية