امريكا.. انحراف مؤقت عن النهج العام

حجم الخط
0

‘إن ‘الحرب الثقافية’ الحالية، الناشبة في هذه الايام بكامل قوتها على صبغة المجتمع الامريكي وخصوصيته يعبر عنها ‘قطع التيار’ المستمر أعني الشلل الجزئي لاجهزة الادارة الاتحادية. ويسهل على هذه الخلفية أن نفهم التوق السائد الى التغيير في الطبيعة الأساسية للبنى والمؤسسات التي صيغت في ضوئها الديمقراطية الرئاسية في بلد العم سام.
بخلاف سافر للتراث البراغماتي للمساومة الموضوعية والعملية بين الخصوم السياسيين ووجود مراكز تعاون بينهم رغم وجود فروق في تصوراتهم العامة يعكس الخطاب الحالي تشددا ايديولوجيا من قبل ‘حُماة السور والبرج’ التطهيريين على مذهب حركة ‘حفل الشاي’ (ومؤيديهم في مجلس النواب). ومع ذلك فان نظرة أكثر عمقا الى الساحة الامريكية تفضي الى استنتاج أن دواء المرض الحالي الذي سيعيد الى الجهاز السياسي الامريكي بُعد الانفتاح والاستعداد التقليدي لاستيعاب أفكار واتجاهات عمل جديدة، من دون أن يُرى ذلك كُفرا، لا يكمن البتة في تغيير لقواعد اللعب الرسمية نفسها.
إن مجرد وجود عدم اتفاقات بين الرئيس ومجلس النواب كان في الماضي واحدا من الاشارات المباركة الى ‘نظام الكوابح والتوازنات’ بين هاتين السلطتين. لأنه بخلاف الحاضر القتالي، لم تُدر الصراعات التاريخية التي نشبت بين البيت الابيض وتل الكابيتول على أساس حزبي أو قيمي أو نظري خالص، بل بالعكس كانت تدور في الأساس على مصالح فئوية ملموسة، وانشأت آخر الامر صفقات ومصالحات بين المؤسسات، ومنعت في الوقت نفسه هيمنة زائدة لأحدها على حساب الآخر في مسار تخصيص الموارد القومية. ولهذا اذا استثنينا ازمة شلل الادارة في شتاء 1995 مدة ثلاثة اسابيع، كانت سائر المحاولات لتجميد ‘قانون الميزانية’ بمنزلة مشاهد قصيرة لا غير، وكان الضرر الذي سببته للاقتصاد الامريكي أو للاستقرار السياسي محدودا.
يمكن من هذه الجهة أن نُعرف الاحتكاك التقليدي بين السلطات بأنه احتكاك بناء، منع الرئيس من أن يصبح شبه قيصر بلا حدود ومعوقات ومُثبطات. وحينما حاول الرئيس نيكسون اثناء فضيحة ووتر غيت أن ينقض التوازن الدقيق بين السلطات بدعاوى ‘الحصانة التنفيذية’، أوقفه مجلس النواب في مكانه (بدعم كامل من المحكمة العليا) واضطر الى الاستقالة في عار عشية عزله المحقق. وقد انشأ الدستور الامريكي في الحاصل (والتعديلات التي أضيفت اليه) طائفة عبقرية من الكوابح وصور الرقابة المتبادلة بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ضمنت الاستقرار واستمرارية الحكم والفاعلية، على خلفية ثقافة سياسية كانت في أصلها تعددية ومتحركة ومنفتحة.
يمكن فقط أن نأمل أن يكون الانحراف الحالي مؤقتا فقط وأن تتبنى الأمة الامريكية بعد أن تخفت نار المعارك مرة اخرى مبادئ التعدد والسعي الى حل المشكلات والطموح الى السير في سبيل الاتفاق الواسع. وقد يحظى هذا المسار ايضا بالتسارع على أثر الانتخابات البينية لمجلس النواب في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 اذا عبرت نتائجها حقا عن خيبة أمل الناخب من الحماسة المتشددة لمجلس النواب الذي ينطلق قدما الى حافة المنحدر المالي. وذلك من دون تغيير ما في الأساطين الأساسية التي بُنيت عليها الديمقراطية الامريكية.

اسرائيل اليوم 9/10/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية