«الأفاعي لا تقطن هنا»: الخيالُ يُنقذنا من ظُلمة الواقع

حجم الخط
0

« – حنعمل فيها إيه؟ راجل ومتضايق من اللي عملته بنته وفك ضيقته في مراته، نموّته يعني؟ لو كل راجل اتحبس علشان ضرب مراته، كان كل الرجالة ماتوا في السجن».
ربما يمثل المقطع الحواري السابق الفكرة الرئيسة التي بُنيت عليها رواية «الأفاعي لا تقطن هنا» للكاتبة أنهار عطية، الصادرة حديثا عن دار غراب للنشر والتوزيع. الرواية في متنها تناقش حالة القهر التي تعاني منها المرأة، والضغوط الحياتية التي تقع على كاهلها، القهر الذي قد يلحق بها من زوجها الذي يضربها ويَسبّها لأقل الأسباب، ثم ليس هناك قهر يصيب المرأة أشد وطأة من أن يتزوج زوجها عليها. ثمة نوع آخر من القهر تصبّه عليها امرأة مثلها، لأسباب مختلفة تتعلق بالشأن الأنثوي أو الأسري، وبمكانة المرأة في البيئة التي تحيط بها.
هنا تقدم الرواية صورة غير نمطية لعدد من ضباط الشرطة، الذين يختلفون عن قرنائهم الذين عُرف عنهم يقينا أنهم يتعاملون بغلظة وسوء أدب مع الجميع، بدون أن يرتكبوا أي جُرم، حتى وصل الأمر بأحدهم إلى أن يقدم استقالته حتى لا يبقى حبيس وظيفة في مكانٍ ضرب العفن أركانه حتى أزكمت رائحته الأنوف. كما تقدم الرواية صورة للمرأة التي تحاول أن تثور على واقعها الذي تعيشه، متمردة عليه، ساعية إلى النجاة منه ومن كل ما يُكبّل سير حياتها وتدفقها بشكل طبيعي: «لكنني أعلم أن منة انسحبت من زيف هيثم، وضعف كامل، ونفْسيّة صفية المشوهة، وقلة حيلة سعاد، وغباء صلاح».
أنهار عطية في «الأفاعي لا تقطن هنا»، تصف الأفراد، رجالا ونساء، الذين يتسببون في إيذاء غيرهم، بالأفاعي التي تنفث سمومها في وجه كل من يقابلها، ولا غرض لها سوى إلحاق الأذى المجاني بالآخرين: «كنتُ خائفا عليها بحق.. امرأة ضعيفة في وسط جُحْر من الأفاعي».
دور الأفعى تؤدي تفاصيله هنا امرأتان، أخت الزوج الكبيرة، وزوجته الثانية، وهما تمارسان دور القهر على الزوجة الأولى، لا لشيء إلا لأنها لم تستطع أن تنجب ذكرا، رغم أنها لا ذنب لها في تحديد نوع الجنين كما تؤكد علوم الوراثة.

للقهر صور متعددة

إننا هنا إزاء عدة صور من القهر الذي يتمدد على صفحات رواية عطية، إحدى صوره تتمثل في حالة «منة» الفتاة الصغيرة التي يجبرها أبوها وعمتها على الزواج من ابن عمتها، وهي لا تشعر تجاهه بأي مشاعر تمكنها من قبول الحياة معه، وصورة أخرى للقهر تمثلها حالة سعاد الأم والزوجة التي تزوج عليها زوجها وتكرهها أخته. في «الأفاعي لا تقطن هنا» نجد صوتين راويين هما صوت ضابط الشرطة أيمن لاشين، وصوت سعاد زوجة صلاح وأم منة. ضابط الشرطة يظهر هنا على غير العادة: هنا نحن أمام ضابط شرطة يشعر بالآخرين ويتعاطف مع المغلوبين على أمرهم منهم، ويبدو تعاطفه مع سعاد المرأة التي يضربها زوجها ويعذبها بمباركة من كل من أخته الكبيرة وزوجته الأخرى: «أخيرا خرجتُ أتنفس الصعداء، بالسرعة نفسها خرجتُ من البناية، وأنا أنظر إليها من أسفل، إن كانت «منة» قد هربت من هذا الجحيم فأنا بالتأكيد لا ألومها، على الأقل لا ألومها على شيء سوى ترك والدتها مع هؤلاء البشر». هذا الضابط الذي تفرض عليه طبيعة مهنته أن يتعامل أحيانا بقسوة مع الناس، يصور العائلة التي تعيش بين أفرادها سعاد بأنها حفرة من الجحيم.
الرواية تطرح كذلك حالة التشتت والتشرذم التي ألقت بظلالها على المجتمعات، وعدم اهتمام بعض أفراده ببعضهم بعضا، كونهم يعيشون كجزر منعزلة لا يشعر من يعيشون على إحداها بما يحدث للآخرين على جزيرة أخرى: «العالم من حولي يتحرك بإيقاعه المعهود، لا أحد يهتم لغياب منة، ولا لانكسار صلاح، ولا لضعف سعاد، كل في حياته يسعى بدون أن يدري بالمصيبة الحادثة في البناية المجاورة».
الرواية تسلط الضوء كذلك على قضية مهمة أخرى وهي كيف يتم التعامل مع المرأة في الصعيد، إذ هناك معايير مختلفة للتعامل معها، مهما كانت درجة تعليمها، ومهما كان مستوى عائلتها. ثمة قانون في التعامل مع المرأة يجبرها على إعلان الولاء والطاعة العمياء للرجل، بدون أن تناقش أو ترفض وضعا قد يؤذيها، وبدون أن تطالب بحقها في اختياراتها، أو الطريقة التي تريد أن تمارس بها طقوس حياتها الخاصة بها بدون وصاية من أحد. الرواية تُعري أيضا فساد الكبار الذين يُدخلون غيرهم في لعبتهم كي يؤدي دورا يُراد منه ثم يُلقون به بعد أن يصبح لا دور له لديهم.

مجتمع لا يرحم

الصوتان الراويان في الرواية لكل منهما مأساته الخاصة التي تنغص عليه حياته وتفقده اتزانه، فأيمن لاشين الضابط تم القبض على أخيه وزُجّ بها في السجن، لأنه لم يُتقن اللعب مع الكبار، ويكفي سعاد ما تقاسيه من زوجها وأخته. غير أن سعاد تحاول أن تخرج من هذه المأساة بدخولها إلى فضاء الخيال، الذي تأمل أن يكون منقذا لها مما هي فيه: «لطالما أنقذني خيالي من ظلمة الواقع، ولكن مشكلة الخيال تظل وتكمن في أنه لا يتخطى مساحات عقلنا، يأخذنا بعيدا داخلنا، لكننا لا نستطيع أن نبقى هنا».
أنهار عطية تريد أن تقول لنا أيضا في روايتها هذه إن كل إنسان، مهما كانت غلظته وقسوته على المحيطين به أو المتعاملين معه، يأتي عليه وقت يشعر بالضعف الإنساني مثله مثل الآخرين. هذه هي صورة المرأة كما ترسمها الرواية لها، معبرة عن حالة الأسى والقمع التي تحياها الأنثى في مجتمعات عديدة، تعتبرها درجة أخيرة في كل شيء، إلا أنها تأتي في المقدمة وبامتياز إن كان ثمة حديث عن الجنس: «ربما قتلها أخوها دفاعا عن شرف مهدور في مخيلته، ربما غدر بها رجل أحبته، أو أنهت حياتها بيدها هربا من مجتمع لا يرحم». أيضا تنتقد الروايةُ التحولَ الذي حدث في المجتمع الذي يرى الحب عيبا ويخجل منه، وفي الوقت نفسه نجد رجالا يفخرون بالتحرش بالمرأة وبضربها وإهانتها. كذلك تريد الرواية أن تقول إن الفقر هو سبب الانحراف في كثير من الأحيان، وإن هناك جماعات تستغل الفقراء وتجندهم لمصلحتها نظير إعطائهم أموالا تخرجهم من فقرهم وعوزهم.
وتطرح أنهار عطية عدة أسئلة أخرى في روايتها «الأفاعي لا تقطن هنا» ربما لو أُجيب عليها لتغيّر حال المـــــرأة، بعض الشيء، في مجتمعاتنا العربية التي تنظر للمرأة نظرة ظالمة تحط من دورها وأهميتها في حياةٍ أبدا لا تستقيم بدونها وبدون كدّها وعملها ووجودها فيها. أما الرسالة التي تريد توصيلها إلى قارئها فمفادها أنه ما أقسى أن تعيش مخدوعا.

٭ شاعر ومترجم مصري

«الأفاعي لا تقطن هنا»: الخيالُ يُنقذنا من ظُلمة الواقع

عاطف محمد عبد المجيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية