منطلقات مستقبلية

حجم الخط
0

لا تتشارك أجيال السياسيين ذات جينات الأجيال البيولوجية. فالأخيرون يتميزون حصريا بعمرهم بينما الأجيال السياسية يتميزون بآرائهم وأفعالهم. فإذا كان النظام الملكي ينجح في حفظ سلالته على مدى مئات السنين وكل ما يتغير هو العدد المرفق بأسماء الملوك، فلا يمكن الحديث عن أجيال من السياسيين في ذات المجتمع، ولكن إذا صعد إلى الحكم زعيم معني باحتلال العالم، بوضع حد للحكم في كل العالم، لمنح دستور لشعبه أو لإجراء تغيير دراماتيكي آخر، فإنه كفيل بأن يقود جيلا كاملا من الناس ممن يمنحونه الدعم، ويرون أنفسهم كجيل سيغير وجه تاريخ شعبه.
كل واحد من الاجيال السياسية في إسرائيل صممه الواقع والأحداث الكبرى التي وقعت هنا، وكل واحد منهم ساهم في تصميم واقع حياتنا. الجيل السياسي الاول، ولد في معظمه ان لم يكن كله في الثمانينيات من القرن التاسع عشر (مثل بن غوريون، بن تسفي، شزار). ويدور الحديث عن شبان عزاب وصلوا إلى بلاد إسرائيل منذ بداية القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الاولى. أناس الهجرة الثانية كانوا صهاينة شككوا بفكرة هرتسل لنيل امتياز قوة عظمى، يمنح اليهود أرض معيشة خارج أوروبا، ولكنهم آمنوا بالفكرة الصهيونية. وتوجهم التاريخ كمن ينتمون لمعسكر الصهيونية العالمية (مقابل الصهيونية السياسية لهرتسل). وجاؤوا إلى البلاد بقواهم الذاتية، رأوا أنفسهم كطلائع سيسير كل المعسكر في أعقابهم، وآمنوا بـ «انقاذ الارض» من أيدي الافنديين العرب، بالعمل الزراعي الذاتي وبالمساواة.
تميز الجيل السياسي الاول بحماسة ايديولوجية وإيمان عميق. كجيل مؤسس، نجح في إقامة مؤسسات وأجهزة حكم تحت الحكم التركي، وبالاساس تحكم حكم الانتداب البريطاني، كان مقتنعا بعدالة طريقه وكرس وقتا طويلا لمداولات ايديولوجية اعتبرت ـ من آخرين ـ كجدالات على كل حرف. أما الجماعات الاخرى في المجتمع اليهودي الصغير فكانت هامشية في حجمها. «الحاضرة القديمة»، أي اليهود الاصوليون الذين عاشوا في المدن المقدسة، لم تؤد دوراً سياسياً. أما اليمين الجابوتنسكي فكان صغيراً في حجمه، والعناصر المدنية، ممن جاؤوا في الهجرة الثالثة (فور نهاية الحرب العالمية الاولى) ولا سيما في الهجرة الرابعة (في نهاية العشرينيات) تعاونوا مع الاقدم منهم، حتى وان كانوا آمنوا أكثر بالنهج الرأسمالي، وهو الامر بالنسبة لي أناس الهجرة الخامسة، في الثلاثينيات، والتي كانت أكثر ثقافة وليبرالية، ولكنها قبلت بسيادة المؤسسين.
لقد أقام هذا الجيل الاحزاب العمالية، مؤسسات المعونة المتبادلة، الهستدروت العامة، و «شركة العمال»، مكتب العمل، وبالاساس الموشافات والكيبوتسات، والتي رأوا فيها قدوة لطريقة العيش في البلاد، وفي ضوئها ربوا حركات الشبيبة.
وكان الحديث التأسيسي لهذا الجيل هو قرار الهجرة إلى البلاد، والتحديات الشخصية والجماعية التي كانت من نصيبهم في تلك الايام، في العشرينيات من حياتهم. أما الأجيال البيولوجية الاكثر شبابا فساروا بثقة في طريق ابائهم الذي آمنوا بعدالته. وبدا نجاحهم في نظرهم كايثاء بتوقعات المؤسسين. من لم يكن عضواً في الهستدروت كان يعتبر كمن يستغل العمال. ومن ترك الكيبوتس كان يعتبر فشلا، ومن لم يؤمن بالقدرة على دمج اتحاد مهني مع ملكية الشركات الهستدروتية كان يعتبر راسماليا. وقوة الجيل السياسي الاول، استعداده للتضحية من أجل العموم وإيمانه شبه الديني بعدالة طريقه، كل هذا وضع في الظل جيل أبنائه، ممن ولدوا هنا ليجدوا الامر جاهزاً أمامهم.
أما الجيل السياسي الثاني، فولد بمعظمه في العقد الذي بين 1915 و 1925 (موشيه دايان، يغئال الون، إبا إيبان، إسحق رابين، شمعون بيرس، عيزر وايزمن وآخرون). والحديث المصمم لهؤلاء الاشخاص كان الكفاح لاقامة الدولة. كان هذا هو الجيل التكنوقراطي الذي لم يشكّك بفكر الجيل الاول، ولكنه لم يحب أسلوبه: المداولات الطويلة والمملة، نسب حجوم تاريخية لكل تدشين لمصنع. لقد كانت هذه مجموعة لم تتميز بمزايا يهود المنفى والكثير من أعضائها كانوا ممن تركوا الكيبوتسات او الموشافات. وفي نمط حياته عبّر هذا الجيل عن تحفظه من الطريقة التي اختارها آباؤه، ولكن في مواقفه واصل طريقهم. والانتقاد عليهم كان في أنهم لا يتحركون ايديولوجيا كابائهم وردهم كان أن الآباء شقوا الطريق، جففوا المستنقعات وأقاموا المؤسسات، أما هم فيسعون للتقدم نحو النصف الثاني من القرن العشرين والتركيز بنجاعة أكبر على الجيش والوزارات الحكومية.
وبخلاف الجيش الاول، معظمهم لم يكتبوا كتباً أيديولوجية ولم يحاولوا التصدي لمسائل فلسفية. فقد رأوا أنفسهم كأناس قيميين يواصلون في الطريق الصحيح ولكن اهتمامهم تركز على عدم تبذير وقتهم على الفلسفة وهم قادرون على أن يجلبوا إلى البلاد مناهج ادارية جديدة تعلموا بعضها في الخارج سواء في إطار حياتهم المهنية العسكرية أم في أطر اخرى.

من العام إلى الخاص

ولد الجيل السياسي الثالث في منتصف القرن العشرين. وتشكل من مواليد البلاد وممن هاجروا اليها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تربى على خلفية أحداث الكارثة. كان أقل إنسانية من أسلافه، والحدث الذي صممه كان حرب يوم الغفران. وقد تضمن الاحفاد الايديولوجيين لجيل المؤسسين (مثل «الثمانية» في كتلة العمل في الكنيست والذي ضمت في عضويتها ضمن آخرين نيسيم زفيلي، حاييم رامون وعمير بيرتس) وإلى جانبهم أبناء الجيل الشاب لـ «العائلة المقاتلة»، أناس حركة حيروت، ممن كان آباؤهم أعضاء في التنظيم السري في الايتسل، وبعض منهم كانوا في الكنيست (إيهود أولمرت، دان مريدور، روني ميلو وآخرون).
أما شباب المفدال فكانوا المجموعة الجيلية الثالثة. فقد تميزت بفك الارتباط عن صورة «المبايي مع الكيبا» لآبائها الايديولوجيين واتخذت خطا مسيحانيا، رأى في نتائج حرب الايام الستة فرصة للاستيطان في كل المناطق التي احتلت في ايامها القليلة. بعد حرب يوم الغفران منح هؤلاء الشبان (بقيادة زبولون هامر ويهودا بن مئير) رعاية لغوش ايمونيم ونشاطها الاستيطاني.
السلام الآن (التي ولدت على خلفية المحادثات بين إسرائيل ومصر) وغوش ايمونيم تحولتا إلى التعابير المؤسساتية الابرز للوحدتين الجيليتين في الجيل الثالث. وتبلورت هنا فكرتان بدا وكأنه لا يمكن الجسر بينهما، المؤمنون بتقسيم البلاد رأوا في حرب يوم الغفران دليلا على أن المناطق المدارة ليست أحزمة أمان وأن المشكلة الاشد في هضبة الجولان كانت إخلاء بيوت الاصليين، في الوقت الذي اندفعت فيه القوات السورية نحو كيبوتس غدوت. وتحدثت فكرة غوش ايمونيم عن خطر ضياع الفرصة للاستيطان في أماكن أخرى وتحقيق الوعد لأبينا ابراهيم. وهذا لا يزال هو التقسيم الابرز. «فتيان الشموع»، أولئك الذين بكوا اغتيال رابين، لم يخلقوا ايديولوجيا اصيلة، والجدال السياسي الذي لا يزال يميز السياسة الإسرائيلية بقي بين من يتبنى اعادة المناطق وبين من يسعى إلى اقتسامها.
بقدر معيّن يمكن القول ان الجيل الذي ولد في سبعينيات القرن الماضي والذي صمم اتفاق اوسلو واغتيال رابين بقدر كبير أفكاره السياسية اتجه إلى «احتجاج الكوتج»، وهو يوجه طاقاته لحل مشاكل الفرد، انطلاقا من الاحساس بأن الفيل الذي في الغرفة أكبر مما ينبغي.

إسرائيل اليوم 20/4/2018

منطلقات مستقبلية
آيديولوجيا بن غوريون وتكنوقراطية رابين هي الخطوط الرئيسية للأجيال السياسية في إسرائيل
يوسي بيلين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية