الكويت ـ «القدس العربي» من محمد البندوري: يعمد الكويتي فؤاد العمادي إلى تكثيف الفضاء التشكيلي بعدد من الرسومات، التي تمتح مادتها من الواقع، مع إدخال بعض الأساليب الواقعية التعبيرية والرمزية والسريالية والفيكيراتيف المتنوع.
ويشكل هذا التركيب مادة خصبة عائمة في جوهر التشكيل المعاصر. كما يشكل التجسيد المطلق للتقنيات المتنوعة وتوظيف مختلف المفردات الفنية، أحد أبرز المكونات التشكيلية للمبدع فؤاد العمادي. وتلعب الألوان المتحركة دورا في حشد الصيغ السريالية وإطلاق عنان التخييل بنبض يمتح من الواقع مادته الخصبة لتصنع بؤرا من الألوان المتدرجة أحيانا، والمتباينة أحيانا أخرى لتشكل منها بعدا فنيا من خلال أنواع التقويسات والدوائر، وأنصاف الدوائر التي تصيغ منها أشكالا من الواقع، وعلامات ورموز تتداخل في ما بينها لتبني ملمسا فنيا بدلالات عميقة المعنى. وعملا بالمادة النقدية، فإن المبدع يحول ذلك إلى تشكيل مركب بعلامات أيقونية دالة على مناحي تعبيرية، تحدث من خلالها حزمة من التفاعليات بين المادة التشكيلية والمضامين التي تتشابه في ما بينها، ثم يقارب بها تلك المادة.
لكن السمة المهيمنة على هذا الطرح التركيبي هو تقيده بما يحمله من توجه يجعل أعماله أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، ما يحجب العديد من المفاهيم في نطاق التشابه الذي يؤثر على تنوع المنطلق. إنه وضع – وإن كان مؤثرا – إلا إن من إيجابياته أنه يحتفظ بميزة فسح المجال للتعدد القرائي، على عدة مستويات، ما يمكّن من رصد مسلك تشكيلي مركب ومتعدد المرامي، مليء بالإيحاءات ومفعم بالدلالات. ولا شك في أن المبدع ينجز ذلك التركيب بالجرأة والتمكن من المادة الفنية، وهو في حد ذاته وقوف أمام حركات تشكيلية تفاعلية بقوامة الترديد والتوزيع المحكم، والتناغم في نطاق التوظيف بطبقات متفاوتة، وبأشكال متنوعة تترك للضوء مساحة، وتحجز للسواد حيزا حركيا مختلفا. إنه توظيف يتطلب تقنيات عالية لصياغة المجال اللوني بتنوع عميق المناحي، وهو ما يتوفر عليه المبدع ليصل بالعمل الفني إلى نقطة الإبداع. باستناد إلى الواقعية، ومقاربتها بالغرض الذي يرغب الوصول إليه عبر إيقاع ينسجم مع تصوراته وأفكاره، ويتلاءم مع المادة التشكيلية المركبة، التي يروم من خلالها التجديد في سياق دلالي تواصلي، ما ينم عن بلاغة الفنان وتوجهاته الفنية والبلاغية، والمعلنة تركيبيا عبر الرؤية البصرية. وتنم كذلك عن قدرته الإبداعية في صياغة القيمة التعبيرية والجمالية، والقيمة المتعددة الأبعاد، ومنها القدرة على الإيهام بالبعد الثالث، ما يدل على قوة تكوينات المادة والمهارة في إنجاز التركيب. إنه تفاعل مع مستجدات الفن التشكيلي الآني، بما تحمله تجربته من تطور في هذا المجال الإبداعي الخصب. خصوصا أنها تجربة تحمل العديد من القيم الجمالية، التي تتبدى في مختلف عمليات التوظيف الفني القائم على التوازن والتباين والانسجام والتناغم والتركيب.. وكل ذلك يفضي إلى دلالات ومعان. ويؤشر على قدرة المبدع القوية في استعمال التركيب بنسب دقيقة تحافظ على انسجام الكتل والخطوط والرموز والعلامات، وتَدفُق الألوان بشكل لا يؤثر على التوازن. فضلا عن توليد نبرات موسيقية تنتج عن عملية التحريك والتسكين، فاحتكاك حركات الألوان بصناعة الأشكال وتشابكاتها مع العناصر الأخرى المكونة تحدث من خلال تفاعلاتها الحركية لحنا موسيقيا، تدل جميعها على النبض الجمالي والقيمي.
وفي هذا النطاق يعمل العمادي في فضاء تتصاعد فيه الجماليات ويتطوع فيه اللون لخدمة الشكل والعلامات، ولخدمة الموضوع، لما يتيحه من وظائف بنائية ودلالية، ومما يستحضره من أبعاد قيمية توقد شحنات الإنتاج المركّب لِما يستدعيه العمل من جماليات وتعبير صادق. ومن هذا المنطلق يثبت المبدع ما تحمله تقنياته من جديد وتجسده مهاراته من ابتكار، وهو ما يتبدى في منجزه التشكيلي الذي يترصد كل مناحي الجمال، الذي يمكّن القارئ من الفهم الإيجابي والتقاط الدلالات.