■ لقد أقر الدارسون بأهمية مفهوم «النوع الأدبي» وضرورته في تنظيم حقل الأدب، إلا أنه بسبب تنوع الاهتمام به عبر العصور «جعل محاولات وصفه وتعريفه وضبط حدوده تثير من الإشكال والاختلاف أكثر مما تلقي الضوء على جوانبه المعقدة».
ومن التعاريف الأولى التي أعطيت لمعنى «النوع الأدبي» نجده يرد في «القاموس التاريخي للغة الفرنسية»، فقد كان لمعنى (النوع) في بادئ الأمر قيمة لاتينية: صنف، نمط، نوع، أي يرتبط بمعنى «العرق» الذي اختفى منذ العصر الكلاسيكي، إنه فكرة عامة لمعنى «تجميع، صنف»، وهو يكاد يسود مجموع الاستعمالات عبر التاريخ. وقد اتسع مصطلح (النوع) ليشمل الفلسفة بمعنى «فكرة عامة عن مجموعة كائنات أو موضوعات لها سمات مشتركة»، ثُم صارت تعني صِنْفا من الأعمال مُحددا بقواسم مشتركة (موضوع، أسلوب، إلخ).
يُظْهر لنا مثل هذا التعريف أن مفهوم النوع الأدبي يفيدنا في تصنيف الأعمـــــال الأدبية، وإعادة تجميعها في مختلف مقولاتها تبعا لمعايير مُحددة، وهو ما عملت على بلورته نظرية الأنواع الأدبية منذ بدايات القرن العشرين.
وقد نُظر إلى النوع الأدبي باعتباره مُؤسسة، وبما أن كل مؤسسة تستند إلى تراتبية متواضع عليها، وبالتالي لا واقع لها خارج التاريخ، فإن ذلك يصح بالنسبة للأدب والأنواع الأدبية. يذكر تزفيتان تودوروف، بهذا الخصوص، أنه «في المجتمع نُمَأْسِس اطراد خصائص خطابية معينة»، والنوع لن يكون بدوره إلا تَسْنينا لهذه الخصائص، ليعرفه بأنه «طبقة من النصوص».
وجعل جيرار جينيت تعريف الأنواع باعتباره «الموضوع المركزي للشعرية»، لأن الشعرية كـ«نظرية داخلية للأدب» تتمثل مُهمتها في تحديد السمات الشكلية التي تُبَنْين إنتاج النصوص الأدبية وتلقيها من قبل الجمهور. وعدا التعريف الذي يُركز أساسا على العناصر الشكلية والانسجام الداخلي، يُنبه جينيت إلى البعد الدلالي الذي لا يختزل الأنواع الأدبية إلى مجرد خصائص بنيوية: «معايير تعريفها تحتوي دائما على عنصر ثيماتي ينفلت من الوصف الشكلي أو اللساني البحت».
كما يتحدث دومينيك كومب عن «تصنيفية الأنواع الاعتيادية»، موضوع التوافقات الضمنية بين القراء والمؤلفين، النقاد والناشرين، إلى جانب الرهانات النظرية. ولذلك ينظر إلى النوع الأدبي باعتباره «نموذجا وصفيا افتراضيا» يسمح باستخلاص السمات المشتركة لعدد من الأعمال الخاصة، وإعادة تجميعها في صنف أو أكثر بغرض مطابقتها لهذا النموذج. ومن ثمة، فإن تعريف الأنواع، في نظره، «إنما يبحث النقاء، وبالتالي يسند إليه قانونا».
ومن وجهة نظر التلقي، فإن كل نوع أدبي يخلق «أفق انتظار» خاصا به، وهو يتكون من استضمار مجموع العناصر الثابتة والمكرورة، التي ترتبط بالنوع الواحد من طرف المتلقي وتجربة حياته اليومية. وبالنتيجة، فإن النوع من حيث هو نسق إنما «يُمثل مجموعة من التوجيهات الضابطة لبعض الممارسات الخاصة بتكوين النص الأدبي وتلقيه». ويؤكد غلوينسكي وهو يناقش علاقة النوع بسيرورة تطوره، على الوعي بتاريخية الأنواع مَنْظورا إليه في ثوابته النوعية وعناصره الرئيسية، التي تتشكل منها «القيمة المهيمنة»، باعتبارها عنصر البؤرة في العمل حسب تعبير رومان ياكبسون، وبالتالي يربط ذلك التطور بانتماء النوع إلى حضارة ما أو ثقافة وطنية مُتحققة.
وإذا كانت الثوابت هي التي تُحدد هُوية النوع بعد أن تكون قد استقرت عبر فترة طويلة، فإن النوع نفسه يمتلك حقلا غنيا من الإمكانات المتنوعة والمتغيرة، وحتى المتعارضة، وهو ما يساهم في عملية خلق البنية وتنويعاتها واتساعها إلى الحد الذي يجعله في غير مأمن من الاختراقات التي تحدث من حين لآخر. فالنص- حسب كيليطو- وإن لم يحترم العناصر الثانوية «فإن انتماءه إلى النوع لا يتضرر. أما إذا لم يحترم العناصر الأساسية «المسيطرة» فإنه يخرج من دائرة النوع ويندرج تحـــت نوع آخر، أو في الحالات القصوى، يخلق نوعا جديدا».
وهكذا تنشأ أنواعية النص بالأحرى من الدينامية التي تنبني بين سمات النوع التي يدل عليها المؤلف- جماع القيود الشكلية، الثيمات، الصيغ والموتيفات، مثلما الوظائف التي تناط بها- وسيرورة تعرف هذه السمات التي ينخرط فيها القارئ (جريان، تصنيف، قراءة، إعادة تأويل).
نقد النوع
بسبب موجة الحداثة التي عرفتها الآداب الأوروبية، وصعود مفهومات النص والكتابة، باتت الممارسة الأدبية تتخذ اختيارات كتابية أحدثت خروقات لا يستهان بها لنقاء النوع الأدبي واستقلاليته، تحت مسمى التناص بما هو خاصية أيما نص كان، بقدر ما استتبعت تحطيما جذريا للترسيمات الفاصلة بين هذا النوع وذاك، وبين شكل تعبيري وآخر، وهو ما أعاد النظر في مفاهيم الأنواع الأدبية وتراتُبيتها المعهودة. من الحلم الرمزي بـ«الكتاب الكُلي» و«تراسل الحواس» الذي انطلق مع حلم الرومانسيين لتجاوز الأنواع، إلى رفض الأنواع الذي ميز قطاعا مُهما من الأدب الحديث كما تجلى أساسا في أعمال موريس بلانشو ورولان بارث وجوليا كريستيفا خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهم يُلحون على المعنى الجديد الذي ينبغي أن يُمنح لمفاهيم مثل النص والكتابة والبوليفونية، من أجل رد الاعتبار للحداثة من جهة، ورفض التراتبية والقيود الأنواعية المعتبرة كعوائق أمام الإبداع، من جهة أخرى.
بخصوص هذه التراتبية الأنواعية التي ناقشها النقد الأدبي في الغرب، يتحدث جاك دريدا عن سياسة النوع وما تثيره من تقسيم بين المعيار والانزياح في علاقته بالمعيار، بين الاستعمال والفوضى، بين الشكل الخالص والنسخة المُعدلة. في مقالته «قانون النوع»، يظهر دريدا كيف أن هذا القانون يفترض أنه « يجب عدم خلط الأنواع»، ويؤكد أنه «بمجرد ما تُسْمع كلمة «نوع»، أو تظهر، أو نحاول التفكير فيها، يرتسم الحد، هكذا بمجرد ما يعلن النوع عن نفسه، يجب احترام المعيار، يجب عدم اجتياز الخط المتاخم، يجب عدم المخاطرة باللانقاء، بالشذوذ أو المسخ».
لقد انشغلت نظرية الأنواع في الغرب، تقليديا، بإقامة الحدود وخطوط الترسيم الصارمة والحفاظ على النقاء الأنواعي المثالي، حتى لو اتضح أن شيئا كهذا مستحيلٌ عمليا، لأن قانون النوع كما لاحظ دريدا يقوم «ضد القانون». فقد كان وضع الحدود للنوع دائما ما يثبت استحالة الحفاظ على هذه الحدود نفسها. وهكذا يبني جاك دريدا «فرضيته» على العلاقات التي يحفظها النص مع نوعه (أو أنواعه): «النص لا ينتمي إلى أي نوع. كل نص يشارك نوعا أو عدة أنواع، وليس هناك نص بدون نوع، إنما دائما هناك نوع وأنواع غير أن هذه المشاركة ليست انتماء. وذلك ليس بسبب ما يطفح به من غنى أو إنتاجية حرة، فوضوية أو غير قابلة للتصنيف، وإنما بسبب سمة المشاركة نفسها، أثر السنَن والوسم الأنواعي». فالنص والنوع ـ في نظره- يتعلقان بروابط «مشاركة من غير انتماء» حيث لا ينغلق النص إطلاقا داخل مقولة مُحددة بالنوع (بله الأنواع) الذي يكشفها.
كانت النظرية، في حقيقة الأمر، تتعالى على واقع الأدب ونشاط ممارساته النصية، فكان كل همها هو التصنيف وتجريد المقولات. ولهذا، فإن أهم الأجوبة التي قدمتها عن النوع الأدبي يتردد بين أن يكون معيارا، أو جوهرا مثاليا، أو قالبا للقدرة أو مجرد مصطلح تصنيفي لا تقابله أي إنتاجية نصية خاصة به، حتى وضعت نفسها في إطار «نظام مغلق» كما يرى جان ماري شيفر.
في مقابل ذلك، يجري الحديث من داخل واقع الممارسات النصية عن «انحراف»، «انعدام تحديد أنواعي»، وعن كون الأنواع صارت «مركبة» أو داخلها التهجين؛ بل عن «انفجار الأنواع». ولذلك، بات من الصعب حصر الجهود التي بُذلت لتجديد التأمل والنظر في الأنواع الأدبية، بله اقتراح أسس «براديغم» نظري جديد حولها إلى حد تعميق إشكالياتها الراهنة. وربما ذكرنا- هنا- بجهود مُحللي الخطاب الذين جعلوا لمقولة النوع في مقارباتهم دورا مركزيا يشد بجماع النص ويُبَينه، لا «إطارا عارضا»، من أمثال جان مشيل آدم ودومينيك مانغينو.
نحو بحث أنواعية الشعر
لقد أصبحت الحدود بين الشعري والنثري ملتبسة أكثر من أي وقت مضى، بحيث إن العديد من نصوصنا يسير إما على الحد الفاصل بين الشعري والنثري، أو يعبر مُراوِحا بين الطرفين. لهذا، يطالب بمعرفة سؤال ما هو الشعري وما هو النثري؛ وهو السؤال الذي يُطرح بِحدة على مستوى المنجز التعبيري، أكثر منه على المستوى المفاهيمي المجرد الذي حكم علينا بـ«الحلقة المفرغة»، التي ما زال يدور فيها النقاش حول قصيدة النثر، وأين يبتدئ فيها كل من الشعري والنثري، وأين ينتهيان؟
من هنا يجب تدشين مبحث أنواعية الشعر، لأنه يتعلق بكُل ما يتعلق بتصنيف الشعر إلى أنواع. وقد انشغل الناقد المغربي رشيد يحياوي بهذا المبحث؛ إذ نذر معظم أبحاثه في مسألة الأنواع الأدبية، لأنواعية الشعر وطارحها نقديا، مُراهِنا على تجاوز المستوى الأنواعي الكلاسيكي المتمثل في المقارنة بين الشعر والنثر وتصنيف الشعر ضمن تصنيف الأدب، إلى مساءلة النسق الأنواعي الداخلي للشعر في ذاته بوصفه خطابا قابلا للنمذجة الأنواعية.
إن التمييز سواء بين الشعري والنثري، وترتيبا عليه بين مختلف أشكال الأدب وممارساته، لا يتم إلا إذا حدث وعي بالظواهر بدل التخبط في حلقات مفرغة تستهلك الجهد والتفكير بلا طائل. بالفعل، ثمة مسارٌ تاريخي يضع الشعري في مقابل النثري، ابتداء من أرسطو الذي قام منهجه على المقارنة بين الأنواع الشعرية لبيان مكونات شكلها ومقاصدها ومحتواها، فلم يكن مُرْغما على جعل النثري معيارا يتم بالعودة إليه لتحديد بلاغية الشعر. وسوف تتكرس هذه التفرقة بين الشعري والنثري على أساس الكم والواقعية داخل النقد الغربي، وحتى في النقد العربي الحديث نفسه، كما عند عباس محمود العقاد وطه حسين ومحمد مندور، إلى حد أن أصبحت من أهم الصعوبات التي على قصيدة النثر وتجارب النصوص العابرة للأنواع أن تواجهها لتقنع القراء بالمحتمل الشعري «النثري». ولكن – مع ذلك- لا يزال النقاش والسجال حول الوضع الأنواعي للشعر مطروحا.
وقد ردم التوظيف الشعري في السرود النثرية داخل القصة والرواية العربيتين، ولاسيما تلك التي نُشرت عقب النكسة، الهوة بين ما هو نثري وشعري إلى حد كبير، بحيث وجد الكتاب أنفسهم أكثر إقحاما لذواتهم في نصوصهم عبر تشغيل محكيات الطفولة والسيرة بدمج الكاتب في السارد وتحويل الأنا الغنائي إلى أنا سارد استبطاني، بمن فيهم إدوار الخراط في «رامة والتنين»، وحيدر حيدر في «وليمة لأعشاب البحر»، ومحمد الشركي في «العشاء السفلي» وغيرهم. وحتى في السرود غير التخييلية وظف الكتاب الشعر، مثل اليوميات والمذكرات والسير الذاتية، كما لدى سليم بركات سيرتَيْه «الجندب الحديدي» و«هاته عاليا، هات النفير على آخره»، وسيف الرحبي في كتابه «الصعود إلى الجبل الأخضر».
وإذا كان هذا التوظيف «الأنواعي» قديما، إلا أنه ينتعش في النصوص الحديثة ذات المنزع التجديدي للغة السرد النثري المنفتحة على الشعر، بل ذهبت إلى حد إلغاء التعيين الأنواعي وخلخلة جهاز التلقي. وبالعكس، فقد استطاعت قصيدة النثر بدورها أن تستفيد من هذا التوظيف، إلا أن تلقيها- مع ذلك- ما زال يخضع للتصور الكلاسيكي التقاطبي الذي يرى الإبداع اللغوي مُنْقسما بين شعر ونثر.
في خضم هذا السياق الأنواعي الإشكالي والمتراحب، ثمة ـ إذن- رغبة في تأسيس نحوٍ داخلي يتعلق بمسألة أنواعية الشعر، أي بكُل ما يتعلق بتصنيف الشعر إلى أنواع. ومثل هـــــذه الأنواعية تستدعي كل الدراسات التي تناولت الشعر بوصفه خِطابا أنواعيا؛ وذلك لأن المسعى النقدي نحو أنواعية الشعر، وضمنها أسئلة قصيدة النثر وتمفصلات الشعري والنثري، قد ارتفع إلى درجة أن يصبح مَطْلبا إبستمولوجيا ينبغي أن يحرص على بناء مفهومات النوع الشعري وتجديد النظر النقدي فيه قياسا إلى ما استجد على صعد البناء والأنواع والموضوعات.
٭ شاعر مغربي
عبد اللطيف الوراري