الموصل ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: صدرت عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في نينوى مجموعة شعرية مشتركة ساهم فيها 35 شاعرا موصليا ينتمون إلى أجيال شعرية مختلفة، من إعداد أحمد جار الله ياسين ومحمود جمعة. والإصدار الجديد جاء على هامش مهرجان أبي تمام الشعري الخامس الذي أقيم في مدينة الموصل العراقية للفترة من 13- 15 أبريل/ نيسان 2018.
اختيار عنوان المطبوع «قصائد فوق الجسر العتيق» حمل دلالاته المعبأة بالمشاعر والذكريات الفردية والجمعية التي تربط الموصليين بمدينتهم برمزية علاقتهم مع أقدم جسر تم انشاؤه عام 1932 يربط بين ضفتي دجلة، الذي يشطر المدينة إلى ساحل أيمن وساحل أيسر، وسكان المدينة ما عادوا يحتملون فكرة أن يسقط هذا الجسر من حياتهم. ولما جاءت الحرب الأخيرة على المدينة ضد تنظيم «دولة الخلافة» (داعش) تعرض الجسر إلى التدمير، وكان ذلك إيذانا بانكسار الذاكرة وتشظيها.
تولى الشاعر كرم الأعرجي كتابة المقدمة الخاصة لهذا المطبوع جاء فيها «كتَبَتْ هذه النُّخب الطيبة من الشعراء كل التفاصيل، لتكون شاهدا على العصر الطويل من الدخان والرماد والمهرجين، لتنتفض من جديد الأشكال الشعرية معا القديمة والحديثة، المألوفة والحداثية والغرائبية، لتعيد تشكيل خريطة الروح المجروحة، وبقايا المدن، ونتف الذكريات، في عرض بانورامي للرؤى بتنوعاتها وزوايا نظرها المختلفة إلى الحياة، من أجل غيم جديد يؤسس لمطر أخضر وربيع مقبل تحمل نسائمه وعبقه أنفاس الشعراء الذين عبروا جسر المحنة إلى جسر المحبة العتيق، تحلق فوق رؤوسهم نوارس الموصل، المدينة القصيدة».
جاء هذا الإصدار بمثابة عودة إلى الخيارات الباذخة المضيعة، سعيا إلى الاحتفاء بمشاعر إنسانية كادت الحرب أن تمحوها مثلما محت المدينة القديمة بكل إرثها الإنساني والحضاري وهذا ما يشير إليه الشاعر كرم الأعرجي في مقدمته «طَمرُ المشاعر لسبب مجهول يعني أن الحياة المدنية المعبقة بعطر القصيدة تدخل في متاهة الوحشة والانسلاخ عن جسد الإنسانية لتضيع في سجن الدهاليز المبهمة وقمقم المجهول».
معظم النصوص والقصائد كانت تفتش عن أمنيات ضالة وهواجس ملفوفة بالخوف والرعب، كما عبر عن ذلك الشاعر سعد محمد «سوف نرتكب الأماني، وتكفلُنا الهواجسُ والصفاتُ، ويكفلُنا انتسابٌ سرمديٌ لأرضٍ مزّقتها النائباتُ، نفتشُ عن ظلالِ الله فيها وعن إثرٍ يقالُ له: حياةٌ».
تبدأ هذه المجموعة الشعرية بقصيدة للشاعر أمجد محمد سعيد حملت عنوان «مقاطع أولى: تنهض الموصل من رمادها» ويُحسب الشاعر سعيد على الجيل الذي ظهر في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وشكل بحضوره أفقا جديدا في المشهد الشعري الموصلي مع الشعراء معد الجبوري وعبد الوهاب إسماعيل ومزاحم علاوي ورعد فاضل وطلال عبد الرحمن وآخرين، جاء في مطلعها «دِماكِ السّيمِياءُ، تباركُ الأوقات َتصبحُ فضة، ذهبا.. دِماكِ النَّسغُ تَخلقُ من حجارةِ أرضنا قمحا، ومن أطيانِها رطبا». يُختَتَم الإصدار بنصٍ حمل عنوان «بياض موصلي» للشاعرة هناء أحمد التي تمثل أحدث جيل شاب ظهرعلى المشهد الشعري في المدينة خلال الأعوام القليلة الأخيرة تقول في مقطع منه «هذا البابُ الذي نهشتِ أطرافه حربٌ ما يقف وحيدا.. ولا يبكي، يحتضن أغنيتكَ المفضلة فاتحا قميصه، قد تفاجئه قبضة شوق منك!».
ما بين هذين الاسمين امجد محمد سعيد وهناء أحمد اللذين يمثلان عتبتين فنيتين متقابلتين كل منها تذهب إلى شاطئ، حفل الإصدار بنصوص توزعت بنياتها الفنية على خريطة الشعر العربي التي احتشدت فيها منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن اشكال الكتابة بتنوع مسمياتها وفضاءاتها ومناخاتها، التي انهمك فيها شعراء العراق.
يندرج هذا الكتاب في إطار مشروع طموح يسعى من خلاله اتحاد الأدباء والكتّاب فرع نينوى إلى دعم نتاجات الأدباء والشعراء والنقاد، وقد تم تصنيف مشروع النشر هذا حسب العناوين الآتية «السلسلة الإبداعية» وصدر عنها عدد من المجموعات الشعرية ابتدأ من عام 2013. «السلسلة التكريمية» ومن خلالها صدرت كتب ودراسات نقدية تناولت أعمالا تقف خلفها أسماء رائدة شكلت بحضورها علامات مهمة في المشغل الإبداعي مثل الشاعر معد الجبوري والقاص أنور عبد العزيز. وهناك «سلسلة الوفاء» التي تعنى بطبع الأعمال الكاملة لكتاب رحلوا عن الحياة بعد أن تركوا خلفهم منجزا فنيا يستحق القراءة والتناول النقدي حيث صدر عنها على سبيل المثال الأعمال الكاملة للقاص الراحل حمد صالح بجزئيها الأول والثاني، وهناك أيضا مجموعة من المطبوعات التي صدرت على نفقة مؤلفيها ضمن هذا المشروع.