رد دونالد ترامب القاطع والمصمم على الطاغية الكوري الشمالي كيم يونغ أون الذي هدد بضرب الولايات المتحدة بالصواريخ، أعطى ثماره. فالكوريون الشماليون كانوا أول من تراجع وسارعوا إلى النزول عن الشجرة التي تسلقوا اليها فما بالك أن الطريق لترويض «رجل الصواريخ» من بيونغ يانغ والوصول معه إلى اتفاق، يزيل التهديد الذي يشكله على السلام والامن في الشرق الاقصى، لا يزال طويلا.
خسارة أن واشنطن لا تتبنى الموقف المصمم ذاته الذي أظهرته تجاه كوريا الشمالية في السياق السوري والإيراني أيضاً، حيال خصوم أضعف بكثير من كوريا الشمالية. خسارة أيضاً أن الأمريكيين لم ينجحوا في إقناع بشار الاسد وحكّام إيران، على التعاطي معهم بجدية. في دمشق وفي طهران يستمعون لوعود ترامب للخروج من سوريا، ويصعب عليهم التصديق بأن هناك ما هو حقيقي خلف التصريحات العابرة التي يطلقها المسؤولون الأمريكيون، وبموجبها فإن نظام الرجل الدموي الاسد فقد شرعيته، أو أن واشنطن مصممة على منع إيران من أن تصبح قوة عظمى اقليمية وتهدد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط.
بخلاف الازمة مع كوريا الشمالية ـ حيث للادارة الأمريكية اهداف واضحة، وعلى أي حال سياسة وخطة عمل أيضاً ـ في حالة سوريا، فإن الهدف الوحيد هو على ما يبدو الانصراف من سوريا بأسرع وقت ممكن. منذ البداية جاء الأمريكيون إلى سوريا للقتال ضد داعش، وما أن هزم هذا التنظيم، حتى لم يعودوا على ما يبدو يرون سبباً للبقاء في سوريا أو إبداء دور في ما يجري فيها.
إن الفراغ الذي يخلفه الأمريكيون، يملأه الروس والإيرانيون. روسيا أضعف من الولايات المتحدة، عسكريا واقتصاديا، ومع ذلك نجحت في أن تجعل مسلخ الاسد مكانا محصنا وآمنا من كل ضرر. والآن يهدد الروس بأن يبيعوا بشار منظومات صواريخ اس 300 من الاكثر تقدما في العالم. الاسد لا يحتاج لمثل هذا السلاح كي يواصل ذبح مواطنيه. مثل هذه المنظومات لن تمنع أيضاً ضربات الصواريخ الأمريكية. يخيل أن الوحيدة الكفيلة بأن تتضرر من هذه الصواريخ هي إسرائيل. وكانت إسرائيل أعلنت في الماضي بأنها لن تسمح لسوريا بأن تتزود بمثل هذا السلاح، ولكن هذا كان قبل أن يصل الروس.
ولكن روسيا ليست عدواً، لا لإسرائيل ولا للولايات المتحدة. رغم الخصومة بين واشنطن وموسكو، يمكن التوصل إلى تفاهمات تعكس المصالح مثلما تعكس أيضاً علاقات القوى بين القوتين العظميين. ولكن من أجل هذا تحتاج واشنطن إلى سياسة وخطة عمل، ما العمل بالاكراد الذين استعانت بهم واشنطن للقتال ضد داعش، ما العمل بتلك الجماعات من الثوار، في جنوب سوريا مثلا، ممن عولوا على الولايات المتحدة، والان يصفيهم الاسد برعاية روسيا وإيران، وما العمل بالنسبة لاستمرار التواجد الإيراني على الاراضي السورية.
في شهر أيار القريب القادم سيعيد الرئيس الأمريكي ترامب فتح الاتفاق النووي الذي وقع عليه سلفه مع طهران. من المهم ألا يكرر أخطاء أوباما ويحصر النقاش مع إيران في مسألة النووي بل أن يدرج فيه أيضاً التآمر الإيراني في أرجاء الشرق الاوسط بدءاً من سوريا، عبر لبنان، غزة، العراق وانتهاء باليمن. كقاعدة، على الرئيس ترامب أن يتذكر بأن من يتنازل للإيرانيين في لبنان، في اليمن، في العراق وفي سوريا، سيجد صعوبة في احتواء التهديد الإيراني.
إيران، من جهتها، اختارت فتح جبهة مواجهة مع إسرائيل. ففي نهاية الاسبوع سمعت من طهران مرة أخرى تهديدات بالقاء إسرائيل إلى البحر. التهديدات فارغة من المضمون، وليس فقط بسبب الضربة القاضية التي ستتكبدها إيران إذا ما حاولت المس بإسرائيل. هذه تصريحات متبجحة تستهدف رفع المعنويات المتردية في الداخل، وصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية المتفاقمة، ولا سيما محاولة ردع الولايات المتحدة وإسرائيل من محاولة وقف تثبيت الوجود الإيراني في سوريا.
ولكن للتحدي الإيراني مطلوب معالجة جذرية، وليس قرص آخر لتخفيف الآلام على نمط الاتفاق النووي الذي عقده أوباما. حالة كوريا الشمالية تفيد بأن الاستعداد للتهديد ـ بشكل لا مفر منه ـ بعملية عسكرية، يجب نتائج، وان الطرف الآخر، الأضعف من الأمريكيين هو الذي يتراجع أولاً.
إسرائيل اليوم 23/4/2018