ينتمي فيلم «أعجوبة»Wonder – من إنتاج عام 2017 – إلى فئة الأفلام الدرامية الاجتماعية، وهو من بطولة الممثلة جوليا روبرتس، والممثل أوين ويلسون مع مجموعة من الأطفال، ومنهم جاكوب تمبرلاي في دور «أوغي»، أما الإخراج فكان لستيفن شوبسكي، الذي كتب السيناريو المقتبس عن رواية ر. ج بلاسيو التي حققت أفضل مبيعات.
يزخر الفيلم بالعديد من الرؤى تجاه قضية ظاهرها بسيط، غير أنها تحتمل قدرا من العمق والأهمية، وهذا ما يفسر نيل الفيلم عددا من ترشيحات جائزة الأوسكار، فضلا عن تحقيقه مستوى متقدم من التقييم. تميز الفيلم بسيناريو معدّ بدقة، إذ قام على خلق عالم مكتنز بالدلالات، ولا سيما عبر منظور الرؤية التي جاءت بسيطة، مع قدر كبير من الإحساس الناتج عن أداء الممثلين، ومنهم جوليا روبرتس، التي تعتمد مقاربة متميزة للدور نتجت عن رؤية إخراجية، تميزت بالحرص الشديد على عدم تكثيف الصبغة المباشرة، أو التلقينية للوعي، وتحديدا بموضوع الاختلاف «والأنسنة المتجردة» باعتبارها موضوعا، وهذا من ناحية فهم الشعور الإنساني حين تتنازعه مشاعر القوة، والأنانية، مقابل إنكار الذات، والمحبة. وهذا يأتي من منطلق نزعة تفاؤلية تقاوم العبثية والتفكيك والكراهيات المتبادلة بين البشر.
حكاية طفل
ينهض الفيلم على حكاية طفل صغير اسمه «أوغي»، يتهيأ للدخول إلى مدرسة ملتحقا بالصف الخامس، بعد أن أمضى سنواته الأولى يدرس في البيت نتيجة أصابته بمرض «متلازمة تريتشر كولينز» وهي عبارة عن خلل جيني يحدث تشوّها في عظم الوجه والفك، بالإضافة إلى وجود عينين تتوجهان للأسفل. لا شك في أن قرار الأم – جوليا روبرتس- بإرسال ابنها إلى المدرسة ينطوي على جرأة كبيرة تجاه مواجهة المجتمع، فهي تدفع ابنها ليقاوم مخاوفه، وتخطي عقدته التي انبثقت من شعوره بالاختلاف عن محيطه، ومواجهة تعبيرات الخوف والتقزز والدهشة، ولاسيما فعل التحديق، ولهذا يلجأ الطفل إلى الحلم، أو الهروب عبر اختلاق عالم متخيل، مما يمكنه من تجاوز ذاته، وتناسي التشوه الذي يطال روحه قبل وجهه، فكان لا بد من ابتكار وسائل لتخطي ذلك، فيلجأ إلى ارتداء خوذة رواد الفضاء كي يخفي وجهه، وهنا تؤدي الخوذة دور درع يشهره أوغي أمام العالم، وبهذا تتحول الخوذة إلى تشكيل نفسي لتجاوز الألم واستشعار عالم طبيعي، يلجأ الطفل أيضا إلى تخيّل شخصيات سينمائية وكرتونية، ومنها شخصية «شيواوا» من فيلم «حرب النجوم» كون هذه الشخصية تجسد الاختلاف والتشوه الشكلي في مجتمع بشري.
إن التأمل لفهم رغبة الأم بإرسال ابنها لمواجهة العالم، يأتي من إيمانها بأن الإنسان قبل كل شيء ينطوي على قوة، بالتجاور مع رؤية بأن كيان الإنسان يتجاوز قشرة المكون الخارجي، إنما هو تجسيد لتموضعه في عالم متباين، بما في ذلك تكوينه وطيبته وذكاؤه، وهذا ما يجسده الطفل أوغي الذي يحصل على جرعة شجاعة حتى يذهب إلى المدرسة، ولاسيما أنه طفل ذكي وموهوب. تلجأ المدرسة بمديرها المتنور والإنساني ومعلميها إلى دعم الطفل، وتوفير كل ما يمكن أن يشعر به وأنه إنسان طبيعي، وغير طارئ على عالم سوي، ومع أن تقدما يحصل حين يجد أوغي صديقا (جاك) يقضي معه الوقت، غير أنه سرعان ما ينتكس حين يدخل صفه، وهو يرتدي زيا في عيد الهالوين بحيث لا يظهر وجهه، حيث يشعر لأول مرة بالخفة، إذ يسير في المدرسة بثقة، رافعا رأسه، لا يحاول الاستتار. يندمج أوغي مع العالم لبرهة باعتباره طفلا طبيعيا، يلقي أصدقاؤه عليه التحية، ولكن ذلك سرعان ما يتبدد حين يدخل إلى الصف، إذ يستمع إلى صديقة الوحيد جاك، وهو يقول لأصدقائه بأنه يمشي مع أوغي بناء على طلب المعلم، ولو كان لديه وجهه مثل وجه أوغي لانتحر، فيفقد الأخير توازنه.
استنادا إلى الموقف السابق، يعود أوغي إلى عالمه الموازي، ولكن ثمة روح إيجابية، تبدو جزءا من تشكيل الرواية التي اقتبس عنها الفيلم، كون الروائي ينطلق من رؤية مقصدية تهدف إلى أن تعلّمنا كيف ننحاز إلى إنسانيتنا، بالإضافة إلى توصيف ما يسكن ذواتنا من عطب نفسي، فجاك الذي يسخر من شكل أوغي، يدرك أنه أخطا، وبالتحديد حيت يستعيد مواصفات صديقه الطيبة وذكاءه، ومدى ما يتمتع به من روح طيبة؛ ولهذا يتواصل معه بعد قطيعة طويلة من خلال لعبة إلكترونية ليعتذر منه، غير أن الأطفال الآخرين في المدرسة، وبعض الأهالي يسخرون من أوغي، فيتعرض للإهانة، حيث يُطمس وجهه من بعض الصور، ولكن منظور الفيلم، يدرك أن فلسفة القبح الخارجي، لا يمكن أن يُسمح لها أن تنتصر على الجمال الداخلي التي ينادي بها، فلا مجال للاعتراف برفض الآخر، أو النيل من إرادة الإنسان، من منطلق أن المجتمعات المتحضرة يجب أن تبقى في حالة تأمل مستمر لقيمها، ومن هنا، فإن أول استراتيجية للعلاج أن تدرك المجتمعات أنها مصابة بالكثير من الأعطاب، وعليها أن تسعى جاهدة للتعلم، وتصحيح أخطائها، ما ينتج في النهاية مجتمعا متحضرا وإنسانيا يؤمن بالاختلاف والتضامن.
في رحلة مدرسية يخرج بها أوغي مع زملائه في الصف الخامس، وهناك يتعرض وصديقة جاك للتنمر من قبل طلاب أكبر سنا، غير أن أصدقاءه في الصف الخامس، الذين لطالما سخروا من وجه أوغي، سرعان ما يأتون كي يمدوا يد المساعدة له، وينقذونه من الموقف. لا شك في أن وجود أوغي وطيبته، قد أحدثت في عقول أصدقائه أسئلة كبيرة، وتحولا يتصل بمعنى الصداقة، ورفض التصورات المغلوطة، ومنها أن ملامسة أوغي يمكن أن يصيب بالطاعون، وهنا نستحضر عبارة جاءت في الفيلم وتتمثل بأننا « في بعض الأحيان حين نُعطى الخيار لأن نكون على حق، أو أن نكون لطيفين، فيجب أن نختار أن نكون لطيفين، وأن نقدم إنسانيتنا»، وهذا يضعنا أمام قراءة جديدة لتحديد أولويات قيمنا، وهذا ما يمكن أن نراه في مسلكيّات بعض الشخصيات التي تبرز لنا جانبا من إنسانيتها، ومن ذلك فعل الطفلة السمراء التي تقترب من أوغي في صالة الطعام بعد أن ينبذه الجميع حيث تجلس معه، ومن ثم تقوم بالتسليم عليه مصافحة.
معاني التنازع
ثمة تفاصيل تبدو لنا ضمن المستوى القيمي، ومعاني التنازع بين ذواتنا والآخر، ولا سيما تحديد أولوياتنا الشّعورية، ففي ثنايا الحبكة السينمائية نشاهد شقيقة أوغي التي تتراجع مساحة الاهتمام بها من قبل والديها في ظل طغيان مأساة شقيقها، غير أن هذا لا يجعلها توجه سلبيتها نحو الكراهية، بل تعلّم أخاها بأنه ليس الوحيد المختلف في العالم، وبأنه ليس الوحيد الذي لديه مشكلة، إنها تدرك أن حاجتها لا تستحق أن تتقدم على حاجة أوغي، في المقابل فإن الأم تدرك شعور ابنتها، فتقترب منها. وهكذا يلاحظ بأن ثمة وعيا عميقا بكيفية صوغ أدوارنا بوصفنا بشرا، حيث يجب أن نتجاوز ذواتنا في بعض الأحيان، فأوغي الذي يحلم بأن يكون رائد فضاء، يتوق إلى شيء يخرج فيه من ضيق العالم إلى مجال أكثر اتساعا بغية الاختباء والتلاشي، فحين نكون مختلفين تبدو لنا الطبيعة، أما قادرة على احتوائنا، وتقدم ملاذات آمنة.
السينما المسؤولة
لا شك في أن الفيلم في تكوينه الاجتماعي والفلسفي يجسّد معنى السينما المسؤولة، التي تنطوي على وظيفة ورسالة واضحتين، ولكن ضمن أكبر قدر من الفن، بالتجاور مع الوعي بالأدوات الفنية اللازمة، وهنا تكمن عبقرية السينما التي تتميز بتنوعها، وقدرتها على معالجة مواضيع جديدة، ربما تبدو في عالمنا العربي غير جديرة بالمقاربة، أو كونها لا تستحق أن يوفر لها ميزانية إنتاج، فنحن أسيرو فئة محددة من الأعمال، مما يفقد السينما العربية معنى التنوع في ظل هيمنة الضحالة والسطحية، وهذا مما ينقلنا إلى إشكالية في الكتابة السينمائية العربية، التي على الرغم من عمرها الطويل، وتجربتها، غير أنها لم تنضج بالشكل الكافي، ولم تحدث تطورا في المعالجة، فهي لا تتقن اختيار موضوعات حساسة يمكن أن تطور فهمنا لذاتنا، فغالباّ ما ينظر إلى هذا النوع من الأعمال العميقة على أنها لا تحتمل قدرا من الجماهيرية، في حين أن كافة إشكالياتنا الحضارية تأتي من كوننا لم نتمكن من تشكيل وعي جمالي وثقافي وحضاري فاعل، فنحن لا نتقن كتابة قصص بسيطة تحتفي بقيم كبيرة، ومن هنا، فإننا لا نقدر فهم مسألة تجاوز الاختلاف المذهبي أو الديني أو العرقي أو الطبقي، كما لا نعترف بقيم التسامح، وبأننا في النهاية بشر لنا دور إنساني قبل كل شيء، فلا عجب إذن أن تزخر أصقاع العالم العربي بفائض الدم، كوننا لا نؤسس وعيا حضاريا لا عبر نظامنا التعليمي، ولا عبر ثقافتنا، بل على النقيض من ذلك نغذّي كل ما يقودنا إلى الخلافات، والكراهية.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب