«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله تحصد البوكر العربية 2018

حجم الخط
2

القاهرة ــ «القدس العربي»: أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» في دورتها لهذا العام 2018، مساء أمس الثلاثاء فوز رواية «حرب الكلب الثانية» للكاتب إبراهيم نصر الله، صاحب «الملهاة الفلسطينية» والمشروع الروائي الأطول، الذي يتناول الأرض الفلسطينية بناسها وأحوالها. في روايته الأخيرة يقفز نصر الله إلى المستقبل، ويضرب التاريخ عرض الحائط، هذا التاريخ الذي اشتكى من أصحابه، وأصبحوا غير نافعين له، وقد مل من تحميله خيباتهم وآمالهم الضائعة. شكل الرواية ينتمي إلى عالم الخيال العلمي، وحال هؤلاء البشر مع مستقبل قد يبدو من بعيد وكأنه مبشر بعالم جديد، إلا أنهم يسقطون أيضاً في جو من الغرائبية، تحاول أن تعادل غرائبية الوقائع التي يعيشونها.

السخرية وتجاوز اليقين

«باع رجلٌ كلبه لرجلٍ آخر بعد أن اتفقا على مبلغ دفع الشاري نصفه، وأبقى النصف الآخر لنهاية الشهر، كما جرت العادة في تلك الأيام، لم يدفع الشاري النصف المتبقي في موعده، فذهب صاحب الكلب وذكَره بالأمر، فوعده أن يدفع نهاية الشهر التالي. لكن ما أغاظ البائع كثيرًا أن كلبه نبح بشدة عليه، وكان على وشك أن يهاجمه! فرأى في ذلك انحيازًا فجًا ليس من صفات الكلاب في شيء. في نهاية الشهر الثاني، ذهب البائع فخرجت امرأة الشاري، التي عملت كثيرًا على كبح جماح الكلب النابح بأن حجزته بإغلاق الباب خلفها، وقالت له إن زوجي في بيت عزاء، وكانت تلك البيوت منتشرة في تلك الأيام فقد كان الناس يموتون فرادى، ولم يكن الموت الجماعي أمرًا معروفًا سوى في مذبحةٍ هنا أو هناك. غضب البائع وأدرك أنه لن يستطيع الحصول على النصف الآخر، استدار البائع مبتعدًا وقبل أن يخطو ست خطوات سقطت كتلة ملتهبة من السماء بين كتفيه وراحت تنهشه، استطاع الكلب القفز من الأسوار، مات البائع. حمل أهل القتيل قتيلهم وذهبوا بأسلحتهم إلى دار العزاء، وهناك نادى أحدهم الشاري، خرج، فقتلوه، وحين ثار أقاربه أطلقوا النار صوبهم، فاشتعلت المعركة، وتعارك البقيّة فاتسعت!» (الرواية). هكذا تنشب الحروب، لأسباب واهية لا تمت إلى منطق، في عالم عربي لم يعرف منطقاً طوال تاريخه، وحتى مستقبله المرجو.

المناضل العربي وتحولاته

ومن سمات المناضل المستقبلي، الموسوم بالعروبة، أنه يتحوّل كغيره من المناضلين، إلى عميل أمني بامتياز. خبير النضال هذا لم يزل عقله يعمل دون كلل، وكل هدفه أصبح يكمن في كيفية السيطرة على مخاليق الله، فيفكر في إنشاء سجون كبرى يعيش فيها الناس، كما يعيش المرضى في المصحات. فهل اختلف المناضل المستقبلي، الذي استطاع عيش عصر الاستنساخ والحياة مع صورة كان يعيشها في الماضي أن يتخلى عن تاريخ قمعي طويل بطول التاريخ العربي؟ الأمر هنا يصل إلى استنساخ السلطة القمعية التي كان يناضل ضدها، وقد أصابته ليصبح أحد رعاياها المخلصين عندما واتته الفرصة. حتى أن زوجة المناضل (راشد) ليست سوى شقيقة الضابط الذي كان يقوم بتعذيبه. فهذا الداء هو داء جيني أكثر منه انحراف في الشخصية. فهناك استعداد دائم للسيطرة والاستبداد، مهما كان تاريخ هذا المستبد في السابق. وعلينا ألا ننسى أن التاريخ نفسه ــ حسب رؤية نصر الله ــ قد غادر أصحابه وترك المستقبل يلهو بهم.

الأسلوب الروائي

حاول إبراهيم نصر الله أن تتلون روايته بحكاياتها المتشعبة بكل ما هو غرائبي وفانتازي، وقد هجر منطق وقائع الرواية، الذي أصبح يتسول أمام الوقائع نفسها. هنا تبدو التكنولوجيا وقد أصبحت بدورها سلطة تعيد صياغة البشر، وأن تغذي ما لديهم من جينات القهر والتسلط، وممارسة الحروب كألعاب الصبية في الحارات ــ لاحظ أن ألعاب الصبية أيضاً تتخذ شكل الحرب، فهناك قاهر ومقهور ــ هكذا تتحول اللعبة إلى واقع لم نزل نحياه ونعيشه، فكان لابد من أسلوب يتجاوزه، دون نسيان إطار عام ساخر وتهكمي يحكم كل شيء.
يُذكر أن دورة هذا العام ضمت ست روايات وصلت إلى القائمة القصيرة، وهي: «زهور تأكلها النار» للكاتب السوداني أمير تاج السر، «الحالة الحرجة للمدعو ك» للكاتب السعودي عزيز محمد، «ساعة بغداد» للكاتبة العراقية شهد الراوي، «حرب الكلب الثانية» للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، «الخائفون» للكاتبة السورية ديمة ونّوس، ورواية «وارث الشواهد» للكاتب الفلسطيني وليد الشرفا. وتكونت لجنة التحكيم من خمسة أعضاء برئاسة الأكاديمي والناقد الأردني إبراهيم السعافين.

«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله تحصد البوكر العربية 2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية