دمشق ـ «القدس العربي» ـ زينة شهلا: للأسبوع الثاني على التوالي تتابع مسرحية «دراما» عروضها على خشبة مسرح القباني في دمشق، محققة إقبالاً لافتاً وملبية تعطش جمهور المسرح السوري لحضور عروض جدية واحترافية في آن معاً.
المسرحية التي أنتجها «مختبر دمشق المسرحي» هي اقتباس حر عن نص «غرب حقيقي» للكاتب المسرحي الأمريكي سام شيبارد الذي كُتب وعُرض لأول مرة عام 1980. وقد عمل على اقتباس النص وإخراجه أسامة غنم، برفقة ديمة أباظة مساعدة مخرج، وتمثيل كل من إيهاب شعبان وجان دحدوح ومي السليم.
ويعتبر هذا العرض خاتمة ثلاثية بدأها المخرج عام 2013 مع مسرحية «العودة إلى البيت» عن نص بالعنوان نفسه للبريطاني هارولد بنتر، ومن ثم عام 2015 مع مسرحية «زجاج» المقتبسة عن نص «مجموعة الحيوانات الزجاجية» للأمريكي تينيسي ويليامز، لتأتي «دراما» هذا العام مغلقة سلسلة تتحدث عن تحولات العائلة السورية وتفككها الذي وصل حد التلاشي في بعض الأحيان، وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض، بكل تعقيداتها وفلسفاتها وصيغها المختلفة، حيث تغيب الأم في «العودة إلى البيت» والأب في «زجاج» مع انعكاس ذلك على الأبناء وعلاقاتهم المشتركة، في حين تشهد «دراما» غياباً كاملاً للأهل، ما يدفع الأبناء لمواجهة بعضهم بعضا وقد نضجوا كلا على طريقته.
منزل وشقيقان
تدور أحداث «دراما» التي تمتد على فترة ثلاث ساعات حول عائلة مكونة من أب غائب لا نراه على الخشبة حيث يفضل الانزواء في قريته البعيدة بعد فشله في إدارة دار النشر الخاصة به، ومن ثم غرقه في شرب الكحول، وأمٍ سافرت في زيارة إلى مصر، وشقيقين يلتقيان في منزل العائلة المهجور بعد غياب طويل: آدم (جان دحدوح) كاتب سيناريو يقيم في بيروت مع عائلته منذ سنوات، لكنه يقرر المجيء لدمشق للتفرغ لكتابة عمل تلفزيوني يعتزم بيعه لشركة إنتاج خليجية، ومهيار (إيهاب شعبان) الذي يعود بدوره لدمشق بعد رحلات مجنونة قضاها في إحدى قرى البادية النائية، فيما يبدو تعويضاً عن فشله الدراسي الذي يتداركه الآن كذلك باستغراقه في عمله الجديد، وهو سرقة الشاشات التلفزيونية من المنازل.
نتعرف بداية وضمن ديكور ثابت هو مطبخ المنزل إلى علاقة الشقيقين التي تتسم باضطراب واضح، فكل منهما ينظر للآخر بازدراء نتيجة اختلاف منهجيهما في الحياة، وتتراكم ذكريات الماضي وأيضاً تصورات الحاضر والمستقبل لترسم عمق الهوة بينهما. وتتصاعد أحداث المسرحية مع قدوم ديانا (مي السليم) مندوبة شركة الإنتاج للاتفاق مع آدم على شراء نصه، الذي يتحدث عن قصة حب «أصيلة» حسب وصفها، لكن لقاءها مع مهيار العائد من عملية سرقة ناجحة يقلب كل الموازين، حيث يبدأ هذا الأخ المتهور باللعب على الكلمات والبحث عن قواسم مشتركة مع المنتجة، كالسهر ولعب السنوكر، لينتهي به المطاف وقد اقترح عليها فكرة نص يتحدث عن قصة «بدوية معاصرة» يثير إعجابها ويدفعها للاتفاق معه والتخلي عن قصة الحب التي يعمل عليها آدم منذ شهور طويلة، ويعلق عليها كل آماله المهنية، لا بل حتى لطلب المساعدة من آدم لإتمام سيناريو قصة مهيار وهو يفتقد بطبيعة الحال لأي خبرة في مجال الكتابة.
وخلال الجزء الأخير من العرض يتحول المطبخ إلى حالة من الفوضى العارمة، نتيجـــة عراك جسدي ولفظي طويل بين البطلين، يقومان خلاله بتكسير وتخريب معظم مكونات الديكور، لتدخل وبشكل فجــــائي الأم (أيضاً مي السليم) عائدة من السفر ولتذهـــل من مشهد الفــوضى والخراب.
ذهــول لا يدفعها لعمل الكثير، حيث تكتفي بأن تطلب من ابنيها التوقف عن المشاحنات، بدون أن يستمعا إليها، بل تشتد وتيرة العراك بينهما لتصل حد الموت مع محاولة آدم خنق مهيار، وهنا تستمر الأم في الوقوف يائسة، وغير قادرة أو ربما غير راغبة سوى في أن تقول: «لـــن تقتــله. أليس كذلك؟». اكتفاء بالقول بدون الفعل نتيجة اليأس والتعب المتراكمين، ومن ثم معاودة الرحيل بشكل نهائي ربما هذه المرة.
أدوار متبادلة
يتحرك الممثلون على الخشبة بكل براعة، حيث ينجحون في أسر الجمهور بأدائهم وحضورهم وقدرتهم على تبادل الأدوار، ضمن نص متين بشكل ساحر: فتارة يكون آدم الشخص المهيمن الذي ينظر إلى أخيه باحتقار ودونية، وتارة أخرى يتحول مهيار للشخص المسيطر الذي يعتقد بأن كل ثقافة آدم وشهاداته والتدريبات التي خضع لها داخل وخارج البلاد لن تنفعه، أمام انبهار ديانا بتلك القصة البدوية التي تحاكي واقع الحياة اليومية والتي يعتقد مهيار أنه خبرها خلال السنوات الماضية. أما الأم والمرأة/المنتجة فترمزان لعلاقة الذكر بالأنثى، التي تتجلى على مستويين: الأم والطفل أو الرجل والمرأة في محاكاة لواقع يشبهنا إلى حد كبير. ويعطي أداء الممثلة نفسها للدورين انطباعاً بالمزج بين الواقع والمسرح، ما يدفع المتلقي للتفكير بتلك العلاقة والتفاعل معها وطرح أسئلة جوهرية حولها بدون الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.
وتجدر الإشارة هنا إلى تغيير مهم قام به المخرج أسامة غنم، حيث استبدل شخصية المنتج الذكر في النص الأصلي بمنتجة أنثى، وهو جزء من عملية الكتابة الإخراجية التي اعتاد القيام بها في معظم أعماله المسرحية، لإضفاء طابع أكثر محلية في لغته وصوره وتفاصيله على العمل.
وفي دمشق اليوم، يخرج عشرات الحضور المتنوعين ـ ولعلها السمة المميزة لمرتادي مسرح القباني- مثقلين بحكايا أبطال «دراما»، وبلحظات يختلط فيها الحزن بالفرح، ولا يسعهم سوى التفكير بواحدة من عبارات سام شيبارد التي آثر الفريق كتابتها في النص التعريفي عن المسرحية، كتلخيص لرحلة البحث والتدريبات الطويلة وصولاً لصنع عرض مسرحي: «الحب هو المرض الوحيد الذي يشعرنا بالعافية».