لندن ـ”القدس العربي”ـ إبراهيم درويش:
انتقد جورج موريس طالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج زيارة المسيحيين البريطانيين إلى سوريا. ففي الأسابيع القليلة الماضية حيث تذكر العالم الحرب المستمرة في سوريا فإن داعمي بشار الأسد من الجماعات الهامشية: أكاديميون وجماعات مناهضة للحرب حيث قاموا بنشر نظرية مؤامرة تنكر جرائم الحرب التي يرتكبها النظام واتباعه بالإضافة لأشرطة فيديو محيرة لجماعة “أوقفوا الحرب” والتي تصور الأسد بالرجل الطيب لأنه “طبيب”. ومع ذلك فهناك انتباه قليل تركز على جماعات متعاطفة مع الأسد ومصدر غير متوقع لدعمه ألا وهم المسيحيون البريطانيون كما يقول جورج موريس الذي نشر مقالته في مجلة “نيوستيتسمان”. وفي الفترة الأخيرة زار وفد بريطاني دمشق والتقى مع مسؤولين في نظام الأسد. وبحسب صحيفة “ديلي تلغراف” فقد قاد الوفد أندرو أشداون، رجل الدين من الكنيسة الإنكليزية.
وضم الوفد القس والصحافي غايلز فريزر والأسقف السابق لإكستر مايكل لانغريش. وليست هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها وفد مسيحي بريطاني سوريا والأسد، فقد زار “المبجل” أشداون سوريا أكثر من مرة. وزيارات مسيحيين كهذه هي منظمة ومتعاطفة مع الأسد من معسكري اليمين واليسار.
ويتساءل الكاتب هنا عن السبب. ويجيب أن الأسد يقدم نفسه كقوة حداثية علمانية ومتحضرة وهو القوة الوحيدة القادرة على حماية سوريا. وعليه فالتلاعب بالورقة الطائفية هي مهمة لبقائه. ويضيف أن نسبة المسيحيين في سوريا تتراوح ما بين 5- 10% من مجمل السكان. وهم جزء من أقليات دينية حاول النظام جذبهم. ففي أثناء التمرد الذي قام به الإخوان المسلمون عام 1982 قام النظام بإرسال عدد من الضباط المسيحيين إلى حماة التي قتل فيها عشرات الالوف. وكما لاحظ نيكولاس حنين، الرهينة السابق لدى تنظيم الدولة والمراقب الذكي للسياسة الطائفية التي يمارسها النظام في كتابه “أكاديمية الجهاد” “فقد كانت طريقة ميكيافيلية لعقد رابطة دم مع المجتمع المسيحي. وكانت الرسالة واضحة: لو كان السنة في وضع يمكنهم من الانتقام فسيقومون بالانتقام منكم مثلما ينتقمون منا… ومصيركم يعتمد على بقاء نظامنا”. وكما قالت مجموعة من المسيحيين السوريين في أمريكا العام الماضي فقد بدأت التظاهرات عام 2011 سلمية وبدون صفة طائفية. وشارك المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب فيها بالإضافة للطوائف الدينية والعرقية الأخرى. ولم يفرق النظام في وحشيته بين المسلمين والمسيحيين كما تظهر وفاة الناشط المسيحي باسل شحادة.
ولكن كما قالت ياسمين، وهي مسيحية تحدثت مع الكاتب بدون الكشف عن هويتها فإن الكثير من المسيحيين الشباب بدأوا يشعرون بالتهميش من قبل جماعات المعارضة. وقضى ظهور الجماعات الجهادية على أي أمل لتحالف واسع بين قطاعات المجتمع. وهذه أسباب جيدة تجعل المسيحيين يخافون. ومن هنا فمحاولة الوصول إلى المسيحيين في الغرب هو جزء مهم من دعاية النظام ولهذا كانت زيارة الوفود المسيحية مثل الزيارة الأخيرة للوفد البريطاني لدمشق واحدة ليست امرا يستهان به. ومن المهم أن يعود الزوار متحمسين للأسد. ومن المهم ان يتبلعوا الخط الرسمي الذي يقول إن الأسد هو حامي حمى المسيحيين مع انه مسؤول عن مقتل نسبة 90% من ضحايا الحرب. أو كما قال مايكل نظير، الأسقف السابق لروشستر بعد مقابلته مع الديكتاتور عام 2016 ” من تجربتي لا أستطيع القول إنه أسوأ الجميع”. وهذا هو السياق الذي علينا فهم تغريدة الصحافي جايلز فريزر وصورته عن دمشق. فبعد مقابلته مع محمد عبدالستار، وزير الشؤون الدينية، والذي فرضت عليه بريطانيا ودول الاتحاد الاوروبي وأمريكا العقوبات، أثنى فريزر على سوريا “وتقاليدها الطويلة في التعددية الدينية” و”الفصل بين الدين والسياسة”.
ولكن ما هو صادم أكثر من فريرز وغيره من الزوار هي مقابلة المفتي بدر الدين حسون، الذين تحدثوا معه عن “الحب الذي هو أقوى من الصواريخ”. وكان هناك حوار بين الأديان وحديث مع المفتي الذي هدد بتدريب الانتحاريين وإرسالهم إلى الغرب رغم ما يزعمه من أن الحب هو أقوى من القنابل. وبحسب منظمة أمنستي فقد كان مسؤولا عن إعدام الألاف في السجون. وفي دفاع فريرز عن زيارته للبلد وصف سوريا بأنها “دولة بوليسية” وساساتها رجال الأسد. ويفهم أن الكثير من السوريين يدعمون الأسد خوفاً من تنظيم الدولة. ولكنه لا يعي تقاليد الطائفية التي يتلاعب بها النظام وحقيقة انه أحب أم لم يحب أصبح متواطئًا.
وفي حالة المفتي يعترف فريزر أنه ربما كان سفاحاً لكنه “معتدل”. ولم يقل لنا فريزر عن الفرق بين القتل بناء على عقيدة معتدلة يمثلها المفتي والقتل الذي تبرره عقيدة متطرفة. ويقول الكاتب إنه مقارنة مع النزعة التبريرية هناك مواقف بطولية مسيحية تجاه المأساة السورية. وأول هؤلاء القس اليسوعي الإيطالي باولو دال أوغليو. وقضى الأب باولو سنوات في سوريا وكان يعمل في مجال العلاقات الدينية والحوار بين الأديان وساهم في إعادة ترميم دير يعود للقرن السادس لا يبعد سوى 50 ميلاً عن دمشق وطرد من البلد. وفي عام 2013 قادته جهوده لتحقيق السلام إلى الرقة والتي كان يعيش فيها عدد من المسيحيين. واختطفه أعضاء من التنظيم ولم تتوفر معلومات موثوقة عن مصيره. صحيح أن زوار الأسد من المسيحيين يحدوهم دافع حماية إخوانهم المسيحيين السوريين الخائفين ويتساءلون عن مصيرهم ويبحثون عن أمان لهم. ولكن الأسد، الديكتاتور يحتفظ بمركزه من خلال الخلافات الطائفية ويراه المتعاطفون الغربيون معه كحل وليس الجواب.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن النظام كان مسؤولاً عن 63% من الدمار الذي حل بالكنائس في الفترة ما بين 2011- 2015. وحقيقة دعم ونجاة الأسد عبر الميليشيات الطائفية مثل حزب الله والجماعات الإيرانية تجعل من فكرة أنه رجل غير طائفي مثيرة للضحك. ومن خلال نشر اسطورة أن الأسد هو الحامي الوحيد للمسيحية في سوريا فليس من الصعب تخيل أن هذه الزيارات تضر أكثر ما تنفع الناس المقصودين بها.
وكتب جايلز فريزر “أتساءل عن قيمة الدعاية التي يمكن أن يحصل عليها النظام من زيارة يقوم بها قس يقود أبرشية في جنوبي لندن؟”. وترى ياسمين، المسيحية بطريقة مختلفة حيث تتساءل عن كيفية حماية هؤلاء الذين يزورون سوريا ويتشبعون بدعاية النظام للمسيحيين “ونحن لا نريد حماية منهم بل دعماً بأننا جزء من النقاش. ولسنا أطفالاً وامنحونا الاستقلالية”.