بدأت احتفالات السبعين كالمعتاد: طلعات طيران، ألعاب نارية، إحتفالات كثيرة الكليشيهات، راقصون على الاضواء، إحباط مركز كلاسيكي صاخب وتوزيع أموال الجمهور على ايال غولان وعومر ادام. كل هذا ترافق وفضائح الهراء العادية: ما الذي ارتدته مقدمة الاحتفال (يتبين أن الوزيرة ريغف كانت لها مطالبها في هذا الشأن)، كم دقيقة خطب رئيس الوزراء (14 دقيقة بدلاً من 5، لا يصدق!)، وكيف رد الحاصل على جائزة اسرائيل الفلاني على أقوال الحاصلة على الجائزة العلانية (دموع). وختاما احتفلنا كلنا برفض نتالي بورتمن قبول جائزة براشيت التي اخترعتها مجموعة من أصحاب الاموال (اللاسامية!).
وبينما نحن نحتفل، تتحرك عقارب الساعة إلى الامام. فهي ترفض أن تحتفل معنا إلى الوراء، تنظر إلى المستقبل الذي يبدو أخطر من أي وقت مضى. الامور معروفة: في الاسابيع القريبة القادمة من شأن ترامب أن ينسحب من الاتفاق النووي مع إيران، بالتشجيع الحماسي من ملك اسرائيل، سفارة الولايات المتحدة ستنتقل إلى القدس، والفلسطينيون سيحيون يوم النكبة. أولئك، المنشغلون دوماً بخلق أسطورة صهيونية مضادة (هذا هو السبب الذي اختاروا فيه أن يحتفلوا في يوم استقلالنا بيوم «مصيبتهم» وليس في يوم خاص بهم)، سيطلبون تكييف شدة ردهم مع شدة الاحتفالات الاسرائيلية. ولم نقل بعد شيئاً عن التهديد الإيراني لجباية ثمن ـ في الزمان والمكان المناسبين ـ على موت الإيرانيين في القصف في سوريا.
لا نعرف ما الذي سيكون بالضبط ـ فالمستقبل ملفوف على عادته بالغموض ـ ولكن الدم سيسفك. كم من الدم؟ ليس واضحا بعد، ولكن هذا لن يمر بدون دم. وإذا كان لنا حظ، فسيسفك القليل منه، وإذا لم يكن لنا حظ، فالكثير. ليس كل سفك الدماء هذا محتما، وليس كله بمسؤوليتنا. فالازمة التي تحاول خلقها حماس في غزة هي تعبير عن أزمات داخلية اكثر مما هي رد على تغيير ما في سياسة اسرائيل. عن جزء مما هو متوقع حدوثه علينا مسؤولية كاملة أو جزئية (اسرائيل تميل مثلا إلى الرد بالنار الحية على مظاهرات الفلسطينيين). ولكن بين الامور التي في مسؤوليتنا وبين تلك التي ليست كذلك، معظمها تدحر إلى هوامش النقاش العام.
تتميز أيام نتنياهو بنقاش انفعالي عاصف بالامور التافهة: سفك الدماء الذي سيكون، والذي من المشكوك أن يوفر فرصة تصوير لميري ريغف ولعقيلة رئيس الوزراء، يعد كقوة طبيعية ليس ثمة ما يمكن أن يقال شيء عنها. فما الذي يمكن قوله عن أمطار الربيع؟ فهي تهطل وكفى. وما الذي يمكن قوله عن سياسة دولة اسرائيل؟ هل توجد لها على الاطلاق سياسة تستشرف المستقبل أم انها تذكر بـ «سياسة» محبي كرة القدم للملاعب، حراكات حادة بين النشوى والاكتئاب، التركيز المطلق على اللحظة وعزو النتيجة لقوة عليا (يوجد رب!) أو للشر الانساني (الحكم ابن…!).
ما الذي تحاول إسرائيل في واقع الامر تحقيقه مع السلطة الفلسطينية؟ هل تسعى إلى تصفيتها؟ تجعلها «بانتوستان» محلياً يوفر الخدمات للمستوطنات؟ تبقيها على نار صغيرة إلى أن تنشا امكانية للتسوية؟ ما هي احتمالات كل امكانية وما هو الثمن الذي سيجبى؟ ما الذي يمكن قوله عن هذا؟ قوة عليا (بيبي؟) أم حكم ابن… (هوية الحكم او القاضي تتغير). ما هي سياستنا بعيدة المدى تجاه غزة؟ هل نحن نسعى إلى تصفية حماس، ترويضها، العودة إلى السيطرة على القطاع؟ وما هي الصورة العامة؟
يخيل أنه لا توجد صورة عامة، وفي كل الاحوال لا يوجد خطاب جماهيري عليها. السياسة الاسرائيلية هي سلسلة من ردود الفعل، العمليات، الاحباطات المركزة إلى هذا الحد أو ذاك، التي ظاهراً ليست جزءاً من خطة شاملة ما، وعمليا حملات إحباط مركز متواصلة لكل امكانية للتسوية. هل نحن واعون للثمن الذي يجبيه نجاح اللاسياسة هذه؟ ليس واضحاً. وبذات القدر ليس واضحاً ما الذي تحاول اسرائيل تحقيقه بدق طبول الحرب المتواصل حيال إيران. هل يعتقد نتنياهو بأن قوة عظمى اقليمية مثل الجمهورية الإسلامية ببساطة ستبتلع هذه الاستفزازات بلا رد على مدى الزمن؟ لماذا تدير اسرائيل سياسة الصراخات العلنية وليس سياسة الجهود الهادئة من خلف الكواليس؟ هل نحن (بمعنى نتنياهو) معنيون بالصدام؟ كم من الدم ستكلفنا وهل ستحسن وضعنا؟ الهدوء، نحن مشغولون. لعلنا ننشر تعقيباً آخر عن نتالي بورتمن.
يديعوت 25/4/2018