إذا كانت الفئات المحظوظة تدعم النظام المغربي لدوافع ومصالح مادية فلماذا الأغلبية خانعة رغم الفقر وصعوبة العيش والحرمان؟ لا يمكن أن نعزو الموقف الشعبي إلى الخوف من القمع وانتقام السلطة، بل هناك نُظمٌ مخزنية من المعتقدات والأفكار المنتشرة، والتي تعمل عمل الأفيون المخدر للشعب. أليست الطبقات المسحوقة صابرة على أمل حدوث معجزة قد تحسن من أوضاعها؟ أوَ ليست الأغلبية الشعبية تسعى أيضا سعيا حثيثا إلى القرب من مركز السلطة و توزيع الثروة كما النخبة؟
لا ندعي تحمل مسؤولية التنوير أو كما قال فولتير : ‘إذا أردت إنهاض شعب فعلمه كيف يفكر’ – وإن كان المخزن يفكر للشعب عبر وسطائه المستثقفين الملكيين- ولا نؤمن بأرستقراطية التفكير كما دعا إليها علال الفاسي، فالشارع المغربي -على الرغم من أن نصف تعداده لا يقرأ ولا يكتب- يمتلك وعيا سياسيا ووطنيا عظيما، وقد أبان عنه خلال مراحل متفاوتة من التأريخ المعاصر، وما هذه الجموع التي بدأت تخرج للتظاهر إلا تعبيرا مجسدا ليقظة الشعب ووعيه الفطري.
من بين التحليلات السائدة أن الملك رمز الوحدة الترابية والوطنية، وأنه ضامن دوام الدولة واستمرارها، فمتى ظهرت هذه الألقاب؟ ما حقيقتها؟ ما الهدف من ورائها؟
على المستوى الفكري، ناضل حزب الاستقلال بقيادة علال الفاسي ليس لتحريرالبلاد، إنما لصالح استرجاع الملكية لهيبتها المفقودة، وقام بالترويج لفكرة أن الملك رمز الوحدة الترابية الوطنية عبر تنظيم الحملات المستمرة والمظاهرات، وإلقاء الخطب المهيجة الرنانة التي تشيد بالملك كرمز للوحدة الوطنية، مجيشا أصدقاءه لدعوته، باعثا إياهم إلى القرى لنشرإيديولوجية الملك كموحد للبلاد. وحدث التأكيد على هذه التسمية في وقت لاحق إبان الزيارات الملكية إلى فاس سنة 1934 وإلى طنجة في 1947 ، تلك الزيارات جعلت الحفاظ على النظام الملكي كرمز لوحدة الأمة هدفا مخزنيا أساسيا.
على المستوى السياسي، أسست الملكية في عام 1962 حزب ‘جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية’ تحت مظلة رضا اكديرة، المدافع عن سيطرة الملكية على السلطات الثلاث، والصديق القديم الحميم للملك ومستشاره السيادي. وحرص الملك على عدم الانتماء علنا إلى أي حزب بعينه لأن ذلك قد يتناقض وإيديولجية الملكية المترفعة فوق كل اعتبار.
على المستوى الشعبي، نظم الحسن الثاني المسيرة الخضراء بمعية مستشاريه بغية استعادة الشرعية للملكية الفتية بعد عشر سنوات من الصراع مع أحزاب المعارضة، تخللها العسف والاعتقال واضطرابات سياسية واجتماعية بالغة بل ومحاولات انقلاب فاشلة، فاختير لها التوقيت المناسب بمهارة فائقة لضم أحزاب المعارضة إلى الغاية الملكية. وهكذا يصبح الملك رمزا لوحدة البلاد ويضعف نفوذ الأحزاب المعارضة، وقد ثبت نجاح تلك المهمة في انتخابات عامي 1976 و 1977.
على المستوى العسكري، استطاع محمد الخامس استعادة السيطرة على وزارة الدفاع ، وجعل الجيش ملكيا بإسناد مهمة تزعمه إلى ولي عهده آنذاك الحسن الثاني. هذا الأخير قام بالتفاوض مع فرنسا لتطوير جيش ملكي نظامي محترف.وكان قد انضوى تحت لواء حزب الاستقلال – المؤسس من قبل علال الفاسي وبلافريج والقزيري- كثير من المقاومين الوطنيين، لكن فئات عريضة من جيش التحرير المسلحة سواء في المناطق الحضرية أو القروية لم تخضع لسيطرته. عمل الحزب بمساعدة القصر بعد صدور وثيقة إنهاء الحماية العسكرية – ب’سيل سان كلو’ بشمال وسط فرنسا سنة 1955 – على احتواء عناصر جيش التحرير عبر دمجهم في النظام العسكري المحدث وفي الشرطة وإدارة الدولة الجديدة، وأما الذين رفضوا الخضوع للقصر فكان مصيرهم القمع والتصفية. بحلول سنة 1960 ، تم إدماج كل’عناصر جيش التحرير في الجيش النظامي الملكي الجديد بينما سيطر حزب الاستقلال الحليف العلوي على الإدراة.
وتم اختيار الجنرالات على مقاس الملكية من عائلات وجهاء وإقطاعيي المناطق الحضرية والقروية.
وعلى الرغم من محاولات الإصلاح المتواضعة إلا أن الملك الشاب ظل أسير نظام سلطوي متوارث.
وأما البرلمان في عهده، فعلى الرغم من خضوعه للانتخابات الشعبية فإنه لا يلعب دورا تشريعيا ما دامت القوانين تنبع من القصر أو تصدر باسم الملك. وفي القضاء، فإن القضاة يعيَّنون من قبل الملك وينطقون بالأحكام باسمه.
ختاما، إن مفهوم الوحدة الوطنية الحقيقي يجسده قول رسول الإسلام: ‘مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى’، أو بالمعنى الأفلاطوني للجمهورية : ‘على تقاسم الشعب والسلطة للآلام والأفراح’.
فؤاد وجاني
E-mail: [email protected]