نظام صواريخ اس 300 يوفر لروسيا خدمة مزدوجة: الدفاع عن مصالحها العسكرية في سوريا والحرب النفسية. التهديد الجديد بنقل هذا النظام للجيش السوري (خلافا لتشغيله بأيدي قوات روسية) يبدو أنه موجه لادارة ترامب اكثر مما هو موجه لإسرائيل، ويمكن التقدير بأنه يوجد لسلاح الجو الإسرائيلي وسائل تمكنه من العمل في الجبهة الشمالية رغم نشر هذا النظام. ولكن هذا الامر بالتأكيد يحتاج إلى إعادة انتشار أخرى من ناحيته.
على مدى عقد تقريبا، خلال التفاوض على الاتفاق النووي، هددت روسيا بتزويد إيران بالنظام المتقدم بصورة كانت ستصعب على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. هذا النظام تم تزويده لطهران أخيراً بعد التوقيع على الاتفاق النووي في 2015. الآن تقوم روسيا بتسريب معلومات حول نيتها نقل نظام مشابه للجيش السوري، وفي الفترة الاخيرة انتقلوا للحديث عن ذلك علنا.
عمليا، نظام اس 300 تم نشره حاليا في شمال غرب سوريا، وإلى جانبه ايضا النظام الاكثر حداثة، اس 400. وقد تم نصبه بأيدي الروس في أعقاب إرسال أسراب من سلاحهم الجوي إلى قاعدة حميميم قبل سنتين ونصف تقريبا، والتي يتم تشغيلها من قبل جنود الجيش الروسي. التهديد الحالي يتعلق بامكانية تزويد نظام آخر، هذه المرة مباشرة إلى جيش الرئيس بشار الاسد. الرسالة كما يبدو موجهة في المقام الاول للولايات المتحدة وليس لإسرائيل. فهي تهدف إلى القول، بعد الهجوم العقابي الأمريكي ضد النظام، (في اعقاب استخدامه الاخير للسلاح الكيميائي ضد المدنيين)، بأن روسيا هي التي ستقرر ماذا سيحدث الآن في سوريا وأن موسكو تتوقع من الرئيس ترامب الايفاء بتصريحاته العلنية وأن يقوم باخلاء الجنود الأمريكيين القليلين الموجودين في سوريا.
الجدول الزمني لتنفيذ هذا التهديد ليس واضحا. أولاً، ليس معروفا إذا كانت روسيا تنوي تنفيذه في حالة أن ترامب قام بالوفاء بأقواله. ثانياً، لأن الامر يتعلق بنظام معقد نسبيا، فإنه يحتاج إلى زمن طويل لتأهيل طواقم سورية من أجل تشغيله. ومع ذلك، بالنسبة لإسرائيل هذه بالطبع ليست أنباء جيدة. صحيح أن سلاح الجو تدرب، حسب مصادر اجنبية، ضد انظمة مضادة للطائرات روسية بيعت لقبرص (وهي توجد الآن في حوزة اليونان). ويمكن أيضاً التقدير أنه توجد لإسرائيل وسائل وأساليب تمكنها من الطيران إذا كانت حاجة، رغم وجود هذه الانظمة.
ولكن السؤال الاساسي هو ما هو مستوى المخاطرة الذي سيسببه وجودها في سوريا على سلاح الجو يوميا، مع الاخذ بعين الاعتبار التقارير عن هجمات إسرائيلية متكررة هناك. هذا تحد سيقتضي بالتأكيد إعادة انتشار أخرى، كما أن سوريا تصدر إشارات منذ فترة ـ مثل اسقاط طائرة أف 16 في شهر شباط/فبراير ـ بأن أيام ضبط النفس لها ازاء القصف الإسرائيلي انتهت.
في هذه الاثناء، ورغم التهديدات الإيرانية المتكررة والتصريحات التي لا تنتهي (جزء منها زائد) من الجانب الإسرائيلي، فإن عملية الرد الإيرانية لم تتحقق بعد ضد الهجوم المنسوب لإسرائيل على قاعدة «تي 4» في سوريا في بداية الشهر الحالي. ومع ذلك، التأهب العالي في جهاز الامن ما زال مستمراً، من خلال الافتراض أن الإيرانيين لن يتنازلوا عن الفكرة.
التقدير الاستخباراتي يقضي بأن طهران ستبحث عن رد يوضح بأنها لن تمر مرور الكرام على قتل سبعة من رجال حرس الثورة في الهجوم على القاعدة. ولكن لن يجرها إلى مواجهة عسكرية مباشرة وكثيفة مع إسرائيل، التي ستصل اليها في حالة ضعف. الانتشار العسكري الإيراني في سوريا ما زال ضئيلاً ومكشوفاً نسبيا للقصف الإسرائيلي. اضافة إلى ذلك، شركاء إيران في المحور المؤيد لنظام الاسد ـ النظام نفسه وروسيا وحزب الله ـ غير متحمسين من احتمالية أن تندلع مواجهة تهدد بالخطر بقاء النظام.
في الخلفية تعمل كوابح أخرى. حزب الله منشغل في الانتخابات البرلمانية في لبنان في 6 أيار/مايو، وهو لا يريد الظهور الآن مثل دمية إيرانية. لهذا أوضح زعماؤه أن الحساب المفتوح هو أمر يتعلق بإيران وإسرائيل. ومن وجهة النظر الإيرانية فإن عملية انتقامية قريبة من موعد قرار الانسحاب الأمريكي المحتمل من الاتفاق النووي في 12 أيار، يمكن أن ترسخ فقط ادعاءات ترامب بافضلية الانسحاب من الاتفاق.
على الرغم من كل الادعاءات المقنعة هذه يبدو أن طهران لم تقتنع بعد بصحة التحليل الإسرائيلي، الذي يقول إنه من الافضل لها عدم الرد. إن استمرار التطورات مرتبط بالطبع بقوة الرد الإيرانية إذا خرج إلى حيز التنفيذ. إسرائيل سترد بصورة معينة على الصواريخ في المناطق المفتوحة، وبصورة أخرى على مهاجمة سفاراتها في الخارج (وهي عملية إذا لم يتم الاعداد لها مسبقا، تقتضي تأهب إيراني طويل نسبيا).
حسب حجم ما نشر في وسائل الاعلام الاجنبية والإسرائيلية، يبدو أن القدس مشغولة الآن في نقل عدد متنوع من رسائل الرد لإيران، لكن رغم استدعاء ممثلين إسرائيليين وإيرانيين في هذا الاسبوع كل على حدة إلى سوتشي في روسيا، فمن المشكوك فيه إذا كانت موسكو تستطيع أن تقوم بدور الوسيط الحقيقي بين الطرفين. وساطة كهذه بدون تسوية معقولة بين المصالح المتناقضة ـ تمركز إيران في سوريا ازاء تصميم إسرائيل المعلن لاحباطه بكل الوسائل ـ فإن سيناريو عملية انتقامية إيرانية ما زال قائما.
هآرتس 26/4/2018