هل دقت إيران الإسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا؟

حجم الخط
0

سجلت إيران هذا الاسبوع نجاحا سياسيا هاما عندما نجحت في دق إسفين كبير بين واشنطن والعواصم الاوروبية. المستشارة الالمانية انغيلا ميركل اوضحت أمس بأنها لا ترى أي مجال لتغيير الاتفاق النووي، الرئيس الفرنسي اقترح صيغة ضبابية غير مقبولة على المانيا وبريطانيا، في حين أن ترامب على يقين من أنه إذا انسحب من الاتفاق النووي سيؤدي إلى انهياره بصورة كاملة.
الرئيس الإيراني حسن روحاني أعلن من ناحيته أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق فإن إيران ستفعل نفس الشيء، وشخصيات رفيعة المستوى في النظام الإيراني تعهدت بأنه إذا انسحبت واشنطن فإن إيران ستعود إلى تخصيب اليورانيوم بوتيرة أسرع. هذه تصريحات جديدة تتناقض مع التصريحات السابقة التي كانت تقضي بأنه إذا انسحبت واشنطن من الاتفاق فإن إيران ستستمر بالتمسك به. ولكن الشرخ بين دول الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى يعطي إيران رافعة هامة التهديد المتبادل يشكل جزء لا يتجزأ منها.
هذه في الوقت الحالي معركة دبلوماسية ستستمر حتى 12 أيار/مايو، وهو الموعد الذي سيكون على ترامب أن يقرر فيه اتجاه الولايات المتحدة، والكثير من التصريحات ستتغير ويتم تعديلها بشكل أكثر شدة أو أخف. يبدو أن ترامب حشر نفسه في زاوية خانقة بحيث لم يبق له خيار سوى الانسحاب من الاتفاق من أجل الحفاظ على سمعته. الدول الاوروبية وروسيا، أكثر مما هي قلقة من إيران، ملزمة بلي ذراع ترامب من أجل الحفاظ على سمعتها وبالتالي على سلامة الاتفاق النووي الذي هو حسب رأيها يخدم المصلحة الدولية.
الخيارات المطروحة أمامها تتضمن ضمن أمور أخرى امكانية التمسك بالاتفاق النووي، واقناع إيران بعدم الانسحاب منه والاستخفاف بإنسحاب أمريكا إذا حدث. احتمال أن توافق إيران في هذا الصراع على تغيير فقرة في الاتفاق، ضعيف جدا. على الاكثر يمكن أن توافق على التفاوض على اتفاق اضافي يعالج تطوير واستخدام الصواريخ البالستية. كما أن احتمال هذا ليس كبيراً لأن إيران ترى في الصواريخ جزءاً لا يتجزأ من نظام دفاعها الذاتي، الذي ليس لأي دولة أخرى الحق في التدخل فيه. هكذا تم التوضيح أيضاً في النقاشات على الاتفاق النووي وهكذا تم الاتفاق مع الدول العظمى بما فيها الولايات المتحدة: الاتفاق النووي لن يفرض نفسه على الترسانة التقليدية لإيران ولن يعرض منشآتها العسكرية التي هي غير نووية للرقابة الدولية.
الاتفاق «غير العاقل»، حسب ترامب، وهو تعبير يشخص أيضاً حلفاءه الاوروبيين الذين وقعوا على الاتفاق بأنهم غير عاقلين، يمنح مدة عشر سنوات وحتى عشرين سنة إلى أن تتمكن إيران من تخصيب اليورانيوم مرة اخرى. أيضاً بعد انتهاء فترة صلاحية الاتفاق النهائية، ستستمر إيران في أن تكون تحت رقابة دولية مشددة، اكثر مما هي ملتزمة به حسب ميثاق منع انتشار السلاح النووي الذي وقعت عليه. إن جهود ضم الصواريخ البالستية اليه، حتى لو وافقت إيران على ذلك، لا يضمن انسحابها من سوريا أو وقف تزويدها للسلاح لحزب الله وسوريا وتجميد بناء مصانع الصواريخ في سوريا.
القلق الإسرائيلي من الاتفاق النووي الذي تحول إلى بؤرة الجهود السياسية لنتنياهو، «ينسى» بأن التهديد الاكثر خطورة من جانب سوريا يكمن في نصب أنظمة صواريخ مضادة للطائرات من نوع اس 300 واس 400، التي إذا نقلت من سيطرة روسيا إلى سيطرة سوريا ستصعب جداً على حرية العمل الجوي لإسرائيل ضد تمركز إيران. إسرائيل لا تستطيع في الوقت الحالي مهاجمة أنظمة صواريخ كهذه، حيث أنه ليس فقط أن روسيا هي التي تسيطر عليها، بل إن موسكو ايضا حذرت إسرائيل بصورة غير قابلة للتأويل من مهاجمة هذه البطاريات.
هذا التهديد لا يتضمن بالطبع طلبات ترامب من إيران ومن روسيا. ترامب الذي انسحب بصورة كاملة من التعامل مع الفضاء السوري، والذي ينوي إخراج جزء بسيط من القوات الأمريكية العاملة فيه، يبقي في أيدي روسيا وإيران الاحتكار العسكري في سوريا بدون الدعم الأمريكي، ولو بشكل رمزي، كي يحافظ على المصالح التقليدية لإسرائيل بالذات، حيث أن إيران تهدد بالرد على المس الإسرائيلي بمقاتلين وضباط إيرانيين في سوريا.
إيران بحاجة إلى الاتفاق النووي، أساساً بسبب الضمانة الاقتصادية الهامة الكامنة فيه، المصالح التجارية مع دول العالم، إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني الغارق في أزمة شديدة، والصراعات الداخلية بين المحافظين والاصلاحيين حول الاصلاحات الاقتصادية. ولكن الافتراض بأن إيران ستخاف من فرض عقوبات أمريكية جديدة عليها يتبين أنه أمر بعيد المدى. إيران عاشت اكثر من 30 سنة تحت نظام العقوبات ونجحت في تطوير مشروع نووي متطور وتثبيت المعرفة الضرورية من اجل تطويره. لقد تحولت إلى دولة عظمى اقليمية وإلى عامل اساسي في النزاعات الاقليمية. إن التزامها بالاتفاق النووي قامت بالوفاء به بدون تفاخر، وبهذا حطمت النموذج السابق الذي يقضي بأنها ليست دولة عقلانية وأنها لا تقوم بالوفاء بالاتفاقات.
اندفاع ترامب ونتنياهو الجنوني المناهض لإيران ليس فقط لن يساعد في تغيير الاتفاق النووي، بل سيحدد إيران كدولة مسؤولة تتعرض للمضايقة من دون مبرر. لذلك، يحتمل أن تكون هناك تداعيات على الطريقة التي ستتبعها الدول الاوروبية تجاه إيران، وعلى إبعاد الولايات المتحدة عن عمليات دولية لا سيما تآكل استعداد الدول الاوروبية للمشاركة في تحالفات مع الولايات المتحدة عندما تكون حاجة جدية لها. من هنا يجب على إسرائيل القلق إذا حاولت تجنيد المجتمع الدولي مرة أخرى من أجل النضال ضد إيران.

هآرتس 26/4/2018

هل دقت إيران الإسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا؟
ترامب دفع نفسه للإنسحاب من الاتفاق النووي وتسبب بنجاح سياسي لطهران
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية