لعل حب العزيز والمطر ينقذاننا. لعلهما يطفئان نار الكراهية، ويقمعان عاصفة الشر، ويجعلان مخربي «شارة الثمن» يعودون إلى اوكارهم. ينشأ الانطباع انه في هذه اللحظة لم يتبق لنا، نحن المواطنين العاديين للدولة ممن نندحر إلى الهوامش، غير تعليق أملنا بحالة الطقس. نعم، ذاك الذي يتحدث الجميع عنه، كما يقول مارك توين، ولكن أحداً لا يفعل شيئاً كي يغيره. منذئذ، اخترعت المكيفات والمبردات ولكننا بقينا خبراء متصدرين في مجال عدم تحريك الساكن.
تعالوا نضع الحقيقة الاولى على الطاولة: هذا رهيب. رهيب أن يكون مخربون يهوداً عنصريين، بعد كل ما اجتزناه ـ المنفى، الكارثة، الاضطهادات والاضطرابات، الحروب والشهداء الذين أحيينا ذكراهم قبل نحو اسبوع فقط يعيشون بيننا وينطلقون للمس بالابرياء وبممتلكاتهم، فقط لأنهم ابناء قومية أخرى. توقفوا للحظة وفكروا في هذا، رجاء. هذا رهيب.
حقيقة ثانية: رهيب أن هؤلاء المجرمين يتمتعون بريح إسناد تهب من أروقة الحكم. فعندما يضربون جنود الجيش الإسرائيلي والمزارعين الفلسطينيين، أو يخرجون في ظلمة الليل بأحلام طليعية ـ مسيحانية على نمط «بلاد الملاحقات 2018» إلى القرية المجاورة، فيحرقون السيارات ويثقبون اطاراتها، يرشون الشعارات الشريرة ويحرقون المساجد والكنائس. وحذار أن ننسى: فقد سبق أن قتلوا رضيعا وفتى. هم يعرفون بأنه لا يوجد حارس أو مشرف، واحد لا ينتظرهم في الزاوية، واذا ما امسك بهم، فلا قلق: وزراء إسرائيل أنفسهم سيتقاتلون في ما بينهم على مكان في المحكمة العسكرية.
ولكن لحظة. على الفور سيبث «موقف». نتنياهو سيعلن عن أن «العقل لا يحتمل»، أو أن حكومته تتعاطى «بصفر تسامح» مع ظواهر مثل «شارة الثمن». غير أنه سيقف حياله، متصدياً، الواقع بجملة حقائقه، ليقول: ها هي قرية اكسال وقرية جارود يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع، مسجد أُحرق في أم الفحم في الاسبوع الماضي، وبشكل عام في أوساط قوات الامن يتحدثون عن تزايد أحداث «شارة الثمن» في الاونة الاخيرة، المتفجرة. إذن لا داعي لأن يرووا لنا عن «صفر تسامح». يوجد تسامح بوفرة، والعقل يقبل ـ بل ويقبل جدا.
حقيقة ثالثة: المخابرات والشرطة لا تنجح في إحباط معظم أحداث الإرهاب اليهودي، الشرطة ليست هناك. عمليات «شارة الثمن» تتواصل بلا عراقيل منذ سنين، وافضل ابنائنا الامجاد لا يمسكون بشكل عام تلك الصيصان متلبسين، فما بالك يطلقونهم قبل الاوان إلى غرف التحقيق. فالخلل، بالطبع، لا يوجد في قدرات الاستخبارات الإسرائيلية، ومن هنا تنشأ على ما يبدو حقيقة رابعة وأليمة: يحتمل أن يكون يوجد هنا أوامر امتناع من فوق: لا تنفذوا اعتقالات وقائية. لا تبعثوا بالعملاء إلى الخلايا. لا تجندوا متعاونين، ولا تنصبوا كمائن. لماذا لا؟ لان هذا مريح، وهذه هي الحقيقة الخامسة والمريرة: هذا مريح لحكومة يمينية، خطت على علمها اليأس كاستراتيجية. أولا وقبل كل شيء يأس الفلسطينيين جعلهم يملون الحياة أيضاً من خلال غض النظر عن الجرائم القومية المتطرفة التي تمس بهم. ولكن المأساة هي ان اليأس لا يتوقف هناك، فهو انحدار أخلاقي زاحف ضم اليه منذ الان عرب إسرائيل وأبناء أقليات آخرين، معسكر السلام واليسار، وكذا معسكر الوسط. وها هو، منذ الان يقضم اليمين النزيه، غير المستعد «للانتصار بكل ثمن».
لمعرفتنا ان ريح الاسناد ليست دوما جبارا طبيعيا فاعلا، وأحيانا يجد تعبيره في عامود من الهواء المتوقف، الخانق. وعن ذلك سبق أن قال الفيلسوف ادموند باراك بأن «كل ما هو مطلوب للشر ان ينتصر هو ألا يفعل الناس الخيرون شيئا». وقد نسي أن يشير إلى السياسيين المتهكمين الذين يبطنون هذا الامتناع كأرض خصبة للمشاغبين.
يديعوت 26/4/2018