وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس
وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس
لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش
تشي تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، يوم الخميس، عن تحفظات وزارته من خطط البيت الأبيض من بناء قوة عربية لتحل محل القوات الأمريكية التي يريد سحبها من سوريا. وجاءت تعبيرات ماتيس قوية إذ قال إن الولايات المتحدة ستندم على وضع قوات في سوريا بدون المشاركة الأمريكية. وقال ماتيس في جلسة استماع بالكونغرس أمام لجنة خدمات القوات المسلحة إنه يدعم مشاركة القوات الأمريكية إلى جانب دول حلف الناتو في المهمة العسكرية للحفاظ على الأمن في العراق ومنع عودة تنظيم “الدولة”.
وجاءت تصريحات ماتيس في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نقطة تحول بعد تحرير معظم المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة” في كل من العراق وسوريا. كما أن تصريحاته تؤكد على التوتر النابع من طبيعة المشاركة الأمريكية لمواجهة التهديدات الأمنية في كل من العراق وسوريا حيث يعيش تنظيم “الدولة” المرحلة الأخيرة قبل هزيمته النهائية، بعد أربع سنوات من الحرب. وكان القادة العسكريون يخططون لبقاء مفتوح ومشروط بالظروف لولا تدخل الرئيس دونالد ترامب الذي ألغى كل شيء حسبما تقول صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير أعدته ميسي ريان وبول سون. ويتركز النقاش بشأن الوجود الأمريكي في سوريا على قوة من ألفي جندي ومستشار يعمل أفرادها مع المقاتلين الأكراد لملاحقة ما تبقى من جيوب للجهاديين في شرق سوريا. ولتحقيق رغبته بمشاركة الآخرين بتحمل الأعباء في سوريا فإنه طلب من من الدول الأخرى بمن فيها السعودية المساهمة بمليارات الدولارات ودعم جهود إعادة الاستقرار في سوريا.
قوة عربية
ويبحث البيت الأبيض إمكانية تشكيل قوة عربية من دول المنطقة لدعم المدن التي دمرت خلال سنوات الحرب الماضية. وعبرت السعودية عن استعدادها لإرسال قوات لو تم تشكيل القوة مع ان المسؤولين لم يكشفوا عن تفاصيل المبادرة. وتشير الصحيفة إلى أن قوة متعددة الجنسيات الدول العربية ستكون غير عادية وستواجه سلسلة من التحديات بما في ذلك عدم توفر الخبرات في العمليات الخارجية لهذه الجيوش والانقسامات السياسية بين قادة الدول العربية ومخاطر إثارة نزاع طائفي. وفي الوقت الذي رحب فيه ماتيس والقادة العسكريون بجهود الحصول على دعم جديد إلا أنهم عبروا عن حذر مما يقتضيه هذا التعاون.
وفي مقابلة أجرتها الصحيفة على الهاتف مع الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط رحب فيها بالمساهمة العربية بالقوات والمعدات من اجل تحقيق الاستقرار في سوريا والتأكد من عدم عودة تنظيم “الدولة” مرة أخرى. واقترح فوتيل أن المساهمات العربية لم تكتمل بعد مشيراً إلى أن قوة جديدة تحتاج لوقت وتحضير للعمليات في مناخ معقد كسوريا. وقال: “لدينا فريق مجرب يعمل على الأرض ويدير الأمور هناك منذ سنوات عدة. ومن الصعوبة بمكان على طرف الدخول مباشرة والقيام بدورنا. ومع مرور القوات أو الخبرة وتغير الظروف فإن الوضع ربما أصبح ممكناً”.
وقال فوتيل إن الجيش الأمريكي يتحدث مع شركائه في المنطقة ولكنه يريد إكمال المهمة التي أرسل من أجلها “ونريد التأكد من دمج القدرات التي نضيفها”. ويتزامن النقاش حول القوة العربية في وقت تقوم فيه الإدارة بالبحث عن طرق للموافقة بين البنتاغون والبيت الأبيض وما يمكن اعتباره انتصاراً دائماً أو انتصاراً قريباً. وكان ترامب قد كرر رغبته بالخروج من سوريا في مؤتمره الصحافي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إذ قال إنه يحبذ مغادرة سوريا وأثنى على هزيمة القوات الأمريكية لتنظيم “الدولة”. وبعد يوم من تصريحات الرئيس قال ماتيس إن العمليات العسكرية لم تنته وأن الجيش الأمريكي يخطط لتوسيع القتال ضد التنظيم في الأسابيع المقبلة وحدد المعارك في وسط منطقة وادي الفرات التي يعتقد أنها آخر معاقل التنظيم. وقال إن القوات الفرنسية الخاصة وصلت للمساعدة.
وبدأت قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها الجماعات الكردية بالعودة للمنطقة بعدما حرفت جهودها للمشاركة ضد الأتراك الذين تقدموا في عفرين. وحذر قائد هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد من أن الخروج الأمريكي المتعجل من العراق الذي كان عاجزاً عن تأمين حدوده، منح تنظيم الدولة “المساحة للنمو”. ومنذ بدء العمليات العسكرية أسهمت القوات الأمريكية بهزيمة الجهاديين واستعادة غالبية الأراضي التي سيطروا عليها وتخفيض عدد مقاتليهم إلى ألف – 3 آلاف في كلا البلدين. ويظل الدور المحدد للقوات الأمريكية محدداً بملاحقة تنظيم “الدولة” وضرب بشار الأسد لردعه عن استخدام السلاح الكيماوي. وفي الوقت نفسه عزز نظام دمشق من سيطرته على مناطق في سوريا ويقترب من الانتصار على المعارضة السورية. وعليه فخروج أمريكي سيعطي القوات التي ساعدت نظام الأسد على النجاة خاصة الإيرانيين. وهذه معضلة للأمريكيين الذين يريدون الخروج وفي الوقت نفسه لا يريدون ترك مناطق في سوريا للإيرانيين. ولمح ترامب في مؤتمره مع ماكرون لمظاهر القلق هذه حيث قال: “ناقشنا أنا وإيمانويل فكرة عدم منح إيران موسما مفتوحا في منطقة المتوسط خاصة اننا نسيطر على معظمها”. ويرى ماتيس أن الجيش الأمريكي سيواصل عملياته وسيتعاون مع القوى الإقليمية.
مواجهة إيران
وأشارت ريان في تقرير آخر للطريقة التي ستواجه فيها البنتاغون التوسع الإيراني في الشرق الأوسط هو المواجهة غير المباشرة. وقالت إن الجيش الأمريكي لن يدخل في حرب مباشرة مع الإيرانيين. ونقلت عن الجنرال فوتيل قوله إن دعم الحكومة العراقية وشركاء أمريكا الأكراد في سوريا سيكون ضامناً لعدم تهريب إيران السلاح وعناصر الميليشيات بحرية إلى سوريا. وجاءت تصريحات الجنرال فوتيل في وقت تفكر فيه الدول الغربية بتكثيف الجهود والرد على دعم طهران للجماعات المسلحة في الشرق الأوسط. وقال فوتيل: “هذه واحدة من الطرق لعرقلة النشاطات الإيرانية الخبيثة” و”هناك بعض الطرق غير المباشرة التي نستطيع عملها من خلال هزيمتنا لتنظيم الدولة”.
وتعكس تصريحات فوتيل الرغبة داخل القيادة العسكرية الأمريكية تجنب مواجهة مع إيران في وقت تركز فيه البنتاغون على إطفاء فتيل التمردات في الشرق الأوسط ومن ثم حرف تركيزها إلى كل من الصين وروسيا. وأعقبت تعليقات الجنرال تصريحات الرئيس الأمريكي حول تغيير في الإستراتيجية الأمريكية التي ركزت على ملاحقة الجهاديين ومنع إيران من الوصول إلى البحر المتوسط. وتحدث ترامب عن “العائق القوي للبحر المتوسط والذي اعتبره مهماً. ولو لم نفعل فستصل إيران للبحر المتوسط، ولن يحدث هذا”.
وتركت إيران أثرها العسكري في العراق واليمن ولبنان وسوريا بعد حوالي عقد من حروب بالوكالة. ويشكل هذا الوضع معضلة لصناع السياسة الامريكيين خاصة أن إيران وروسيا دعمتا الأسد ومنعتا انهيار نظامه. وتحدث فوتيل عن أساليب عدة غير مباشرة لمواجهة إيران، منها وضع قوات في المنطقة لمنع الجماعات الوكيلة لإيران ونشر بوارج حرب في المياه المتناوع معها مع إيران ودعم الحلفاء خاصة السعودية بالصواريخ الباليستية. وتحدث فوتيل عن طرق أخرى مثل بناء شراكات مع القوى المحلية “وتزويدها بالقدرات والتصميم لمواجهة نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار”. وستقوم أمريكا بعرقلة جهود إيران من خلال ملاحقة شحنات الأسلحة غير الشرعية التي ترسلها. ويرى فوتيل أن نتائج هذه الجهود بأنه عمل مستمر. وفي الوقت الذي قبل فيه المسؤولون الغربيون مسألة بقاء الأسد إلا أن فوتيل يرفض فكرة تأثير إيران المستمر في سوريا، مشيراً إلى أن الهدف النهائي ليس هزيمة تنظيم الدولة فحسب بل دعم حل سياسي يضعف من تأثير روسيا وإيران.