هل تنجح الصين في إقامة سوق عالمية للنفط؟

حجم الخط
0

يعتبر النفط سلعة استراتيجية لا غنى عنها لأي دولة، فعلى الرغم من التطور السريع لمساهمة الطاقة المتجددة عالميا، لا يزال النفط يحتل موقعًا مهيمنًا بين مصادر الطاقة المستخدمة حاليا. لكن سوقه تشهد هيمنة خالصة للدولار الأمريكي منذ انتهاء الحرب العربية الإسرائيلية، الحرب التي أفضت لاحتلال الدولار للسوق العالمي، وتنصيب نفسه العملة الوحيدة التي يُقَوَّم بها النفط. هذه الهيمنة أكسبت أمريكا سيطرة تامة على مصير أهم مصدر للطاقة الضرورية لأي نشاط صناعي واقتصادي، مما جعل مصير الاقتصاد العالمي، وخاصة الدول الصاعدة اقتصاديا، والتي على رأسها الصين تحت رحمة هذا الصمصام الأمريكي – العربي. اليوم وبعد افتتاح الصين بورصتها لعقود النفط الآجلة في شنغهاي في 26 اذار/مارس المنصرم برز السؤال الذي يطرحه كثيرون حول العالم: هل ستنجح الصين في إقامة سوق عالمية لعقود النفط الآجلة؟
بعد افتتاح بورصة شنغهاي العالمية للطاقة لتداول العقود الآجلة للنفط المقومة باليوان، والقابل للتحويل إلى الذهب أصبح
اليوان، والنفط، والذهب ثالوثًا مقدسا ذو درجة عالية من الجاذبية، ويعتقد المتفائلون حيال مستقبل هذه البورصة أن هناك خمسة عوامل قد تشكل دعما لنجاحها وهي:
أولا: قد تشكل مخرجا للدول التي عانت طويلاً من الحصار الأمريكي كروسيا التي منذ 2015 تعقد صفقاتها النفطية مع الصين باليوان، وإيران التي هددت أكثر من مرة بوقف التعامل بالدولار، بالإضافة إلى فنزويلا وغيرها من الدول المناوئة لأمريكا.
ثانيا: تتيح فرصة للدول المصدرة للنفط للتقليل من مخاطر الاعتماد المفرط على نظام البترو- دولار خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، التي ترتبط مع الصين بعلاقات تجارية، واقتصادية، واستثمارية كبيرة، حيث أشار تقرير صدر مؤخرا عن البنك التجاري والصناعي الصيني إلى أن حجم التبادل التجاري الصيني الخليجي تضاعف 600 في المئة خلال العشر سنوات الأخيرة، كما أشار إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط قد بلغ حوالي 160 مليار دولار؛ وهذا ما قد يدفع الدول الخليجية إلى تحويل جزء من تجارتها النفطية إلى اليوان الصيني حفاظا على حصتها، ومصالحها التجارية، وعلاقاتها مع التنين الصيني.
ثالثا: قد تشكل هذه البورصة جاذبية عالية للدول الآسيوية التي طالما تطلعت إلى سوق آسيوي للنفط قريب منها، ولا يتأثر بالعوامل المحلية الأمريكية.
رابعا: قد تساهم هذه البورصة في تعزيز عالمية العملة الصينية اليوان، وتسريع تنويع العملات المتداولة في عمليات التسوية للتجارة العالمية، بما في ذلك زيادة تنويع الاحتياطيات العالمية من العملة الصينية.
خامسا: قد تشكل هذه البورصة دعما لدول بريكس، ودول من الاتحاد الأوروبي التي تسعى إلى التخلص من هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة العالمية، وانشاء نظام نقدي جديد في العالم لا يعتمد على الدولار وحده.

أسباب إخفاق بورصة
شنغهاي للعقود الآجلة

يعتقد المتشائمون أن أسباب إخفاق بورصة شنغهاي للعقود الآجلة ترتبط بعدة عوامل يتمثل أهمها فيما يلي:
أولا ـ الشك في قدرة الاقتصاد الصيني على تحمل تبعات هذه الخطوة، حيث أن الدولة التي تتحول عملتها إلى عملة احتياط عالمي بشكل كبير لابد أن تعاني من عجز تجاري، وعجز مالي ضخمين على المدى الطويل، وهذا ما يعني فقدان المزيد من فرص العمل، وزيادة حجم الدين العام.
ثانيا ـ ضوابط رأس المال، وتدابير الحكومية الصينية الصارمة ستحد من تدفقات رأس المال الداخل والخارج خاصة رأس المال الأجنبي، وهذا ما سينعكس سلبا على عالمية وجاذبية البورصة للمستثمرين.
ثالثا ـ القلق الشديد لدى المضاربين الدوليين، والمتداولين في البورصة من تدخلات الحكومة الصينية المحتملة في حالة تعرض السوق الصينية لتقلبات حادة؛ مما قد يحد من مستقبل قوة، وحجم بورصة شنغهاي لعقود النفط الآجلة.
رابعا ـ يعتبر ادخال الذهب عامل جذب، لكنه أيضًا قد يزيد من التكاليف، فبعد تحويل اليوان إلى الذهب ستكون هناك رسوم إدارية، ورسوم التخزين؛ مما قد يزيد من التكلفة الإجمالية لتداول العقود الآجلة للنفط، وقد تكون المشكلة أكبر في حالة عجزت الصين عن توفير كميات الذهب المطلوب، التي قد تكون ضخمة جدا.
خامسا ـ فقدان الصين للبنية التحتية اللازمة لتشغيل سوق نفطية عالمية ذات حجم كبير كمستودعات التخزين، ومد خطوط الأنابيب بالإضافة إلى السفن العملاقة لنقل البترول.
ويعتقد الخبير المعروف سون هونغ بين، الأمريكي من أصل صيني صاحب سلسلة كتب «حرب العملات» أن بورصة شنغهاي للعقود الآجلة لن يكون لها دور منافس على المدى القصير لبورصة نيويورك للعقود الآجلة للنفط أو بورصة البترول الدولية في لندن، وذلك لافتقادها لأهم شرط أساسي، ولا غنى عنه في إقامة أي سوق عالمية ضخمة للعقود الآجلة، حيث ذكر أنه من أجل إقامة بورصة عالمية للنفط لها تأثير على أسعاره لابد من توفر القوة العسكرية، والاقتصادية الهائلة التي تضمن حجم دين عام غير محدود، وتخلق سوق سندات ضخم، الذي بدوره يخلق سوق أصول مالية بتريليونات الدولارات، التي تكون الضامن لعقد صفقات ضخمة؛ وعليه فإن الدولة التي تخلق سوقا مالية كبيرة تضمن حجم صفقات ضخمة هي الدولة التي تملك حق تسعير النفط وتقويمه.
قد تكون أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم حاليا القادرة على تحمل دين عام بمئات الترليونات، وبالتالي خلق سوق مالية ضخمة تضمن إنشاء سوق عالمية للنفط، وذلك لسبب بسيط هو أن النظام المالي العالمي مصمم بطريقة، بحيث يتحمل العالم كله مع أمريكا ديونها مهما بلغت، وهذا ما تفتقده أي دولة أخرى في العالم.

يبدو أن الطريق لا يزال طويلا أمام اليوان الصيني حتى يشكل خطرا على هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة العالمية خاصة هيمنته على تجارة السلع الإستراتيجية، فقد تكون بورصة شنغهاي للعقود الآجلة هي الخطوة الأولى في مسافة الألف ميل التي ستقطعها العملة الصينية حتى تصبح قادرة على إزاحة الدولار من طريقها، البورصة الصينية التي يبدو أنه نتيجة لطبيعة النظام السياسي الصيني هناك عدة عوامل قد تحد من عالميتها، وجاذبيتها، ومصداقيتها، وبالتالي لا تعكس بشكل شامل العلاقة بين العرض والطلب على النفط عالميا. ومهما يكن من أمر، فإن أحفاد الجيش الأحمر الذي خاض «المسيرة الكبرى» سيكونون قادرين على خوض مسيرة العملة الصينية إلى العالمية بأي ثمن.

هل تنجح الصين في إقامة سوق عالمية للنفط؟

د. يربان الحسين الخراشي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية