واشنطن ـ «القدس العربي» ـ رائد صالحة : حاول البيت الأبيض رسم ملامح جميلة للعلاقات الأمريكية ـ الألمانية بمناسبة الزيارة الأخيرة للمستشارة أنغيلا ميركل إلى واشنطن إلى درجة التذكير بالأصول الألمانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب 44 مليون أمريكي يضمون أكبر سلالة في الولايات المتحدة. ولكن الصورة التي التقطها العديد من المحللين للقاء ترامب وميركل لم تكن زاهية بما يتناسب مع هذا التراث.
ملامح الحيرة كانت تبدو على وجه المستشارة الألمانية أثناء المؤتمر الصحافي المشترك مع ترامب، الذي كان يشتكي من العلاقة التجارية غير العادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا، مطالبا بعلاقة تبادل منصفة، ولم يكن هناك حاجة للانتظار فترة أطول لمعرفة ان الخلافات بين ترامب وميركل مستمرة بشأن مستقبل الاتفاق النووي الإيراني والعلاقات التجارية والتعريفات الجمركية وان الاجتماع لم يثمر عن انفراجات في الخلافات المهمة.
ولاحظ المراقبون التناقض الحاد في طريقة استقبال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي حظي بعشاء دولة فاخر واوبرا و21 تحية بندقية، والاستقبال البارد للمستشارة الألمانية التي قضت وقتها في الزيارة في اجتماعات مغلقة كانت تركز على محاولات من الرئيس الأمريكي لإقناعها بعدم التمسك بالاتفاق النووي مع إيران على الرغم من تصريحاتها الأخيرة التي تؤكد ان الاتفاق هو أفضل أمل لاحتواء البرنامج النووي لهذا البلد.
وازداد موقف الرئيس الأمريكي غموضا بشأن الاتفاق النووي الإيراني إذ لم يقدم ترامب أي معلومات من شأنها الإشارة إلى ان الإدارة الأمريكية تنوي الانسحاب من الاتفاق قبل الموعد النهائي المحدد في 12 ايار/مايو. وعلى الرغم من لغة التهديد التي استخدمها ترامب ضد إيران إلى درجة القول ان طهران لن تتمكن من امتلاك أسلحة نووية في أي وقت إلا انه لم يقل انه سيلجأ إلى القوة العسكرية.
وحاول مساعدو ترامب تدعيم وجهة نظره المتشائمة حول الصفقة عبر تقديم أدلة من قبل الحكومة الألمانية نفسها وقالوا ان ميركل عازمة على تجاهل تقارير حديثة مزعومة صادرة عن وكالات الاستخبارات الألمانية عن جهود طهران للحصول على تكنولوجيا نووية وكيميائية واستمرار العمل في البرنامج النووي، بما في ذلك تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات في ولاية هامبورغ جاء فيه انه لا يوجد دليل على وجود وجه كامل للسياسات النووية الإيرانية في عام 2016.
وقالت المستشارة الألمانية ان بلادها ستراقب عن كثب امتثال إيران لخطة العمل الشاملة، ووفقا لأقوال العديد من المحللين الأمريكيين، فان الحرص الألماني على بقاء الاتفاق يعود إلى المصالح الاقتصادية، إذ ارتفعت الصادرات الألمانية إلى إيران إلى 3،5 مليار يورو في عام 2017 مع توقعات ان تبلغ التجارة السنوية 10 مليارات يورو في المستقبل القريب.
وقال مراقبون أمريكيون ان ترامب سيشجع ميركل على زيادة النفوذ الاقتصادي على إيران ولكنه قد يؤكد ان الشركات الألمانية التي تتعامل مع كيانات إيرانية، مثل بقية الشركات الأوروبية، ستواجه عقوبات ثانوية في الولايات المتحدة إذا رفضت ألمانيا التعامل مع الاتفاق.
ولاحظت إدارة ترامب ان حكومة ميركل لم تظهر أي جهد لمعالجة مخاوف البيت الأبيض بشأن الاتفاق النووي في شكله الحالي، بما في ذلك السماح بغروب شمس الصفقة بعد 10 سنوات من التوقيع عليها والافتقار إلى عمليات تفتيش مفاجئة غير مقيدة في جميع المواقع العسكرية الإيرانية، كما لا توجد قيود في خطة العمل المشتركة على البرنامج الصاروخي.
وتجددت مخاوف الخبراء من تداعيات الانسحاب المحتمل للولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وقالوا انها قد تقتل فرصة لإجراء محادثات جوهرية مع كوريا الشمالية حول نزع السلاح النووي خاصة بعد تصريحات ترامب التي تستنكر الاتفاق وتصفه بانه صفقة فظيعة وسخيفة.
ما هي علاقة الصفقة مع إيران بالاتفاق المحتمل مع كوريا الشمالية؟ إذا رأى زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون ان انه لا يمكن الوثوق بترامب لابرام صفقة نووية مع إيران فانه سيستنتج انه لا يمكن الثقة في ترامب لاحترام اتفاقية محتملة مع كوريا الشمالية. ووفقا لآراء العديد من المحللين الأمريكيين، فان تخلى ترامب عن الاتفاق النووي دون أي دليل على ان إيران تخدع، سيؤدي إلى استنتاج مماثل ان ترامب سيفعل الشيء نفسه مع كوريا الشمالية.
وقال خبراء ان مخاوف قادة كوريا الشمالية ستزداد إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية مع إيران وأضافوا ان قادة كوريا يدركون تماما ان التخلي عن البرنامج النووي كما فعلت ليبيا واوكرانيا أو عدم تطوير أسلحة نووية كما هو الحال مع العراق يمكن ان يترك أثرا خطيرا وسيعرض البلاد للهجوم أو حتى تغيير النظام. انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية سيمثل نموذجا سلبيا لاتفاقيات محتملة في المستقبل بين دول محاصرة تريد العودة إلى المجتمع الدولي مقابل الاعفاء من العقوبات وتعزيز الاقتصاد، وإذ لم تحصل إيران على الفوائد التي تم التعهد بها بعد تفكيك البرنامج النووي، فلن تعود كلمة أمريكا تحمل أي وزن، وهذا من شأنه بعث رسالة إلى قادة العالم انه لا يمكن ارتكاب خطأ إيران وعقد صفقة مع الولايات المتحدة.
ويتوق قادة كوريا الشمالية إلى الهيبة والشرعية التي سينقلها مشهد الاجتماع مع الرئيس الأمريكي، ولكن كيم لن يفكر بجدية في التخلي عن الحماية التي يوفرها البرنامج النووي للتوصل إلى اتفاق يمكن لترامب ان يمزقه بسهولة.
واستنتج المحللون ان الصفقة الوحيدة التي يمكن ان ينجزها ترامب مع كوريا الشمالية ستكون محدودة مقارنة مع الاتفاق النووي مع إيران وبالتالي نسبة النجاح أقل من الاتفاق الشامل مع إيران لعدة أسباب، من بينها ان عداء ترامب لاتفاق إيران يضعف يده التفاوضية، وهذا يعني ان كيم سيطالب بتأكيدات أكثر من ترامب وسيقدم تنازلات أقل في أي تفاوض.
تعيين مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو كان إشارة واضحة إلى ان دونالد ترامب يقترب أكثر فأكثر من الوفاء بوعده الانتخابي بقتل الاتفاق النووي مع إيران، ومع مرور أسبوعين فقط قبل الموعد النهائي لتحديد قرار فان المقاومة داخل الإدارة الأمريكية أصبحت ضئيلة باستثناء تصريحات خجولة صادرة عن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس.