من أسبوع لآخر تقوم حماس ببناء الدراما قبيل الشهر القادم في الوقت الحساس الواقع بين نقل السفارة الأمريكية وبداية شهر رمضان حيث يصادف يوم النكبة. وحماس تخطط لاقتحام جماهيري للجدار في محاولة لإبراز ضائقة السكان في قطاع غزة
تقرير مراسل «نيويورك تايمز» في قطاع غزة، أياد أبو حويلة، يقدم صورة مفصلة عن تظاهرة يوم الجمعة الاخير على طول الجدار الفاصل مع إسرائيل. أبو حويلة الذي تابع التظاهرة من الجانب الفلسطيني قال إنه بعد بضع ساعات من الاحتجاج المنضبط نسبيا، وعندما ظهر أن المواجهة تتضاءل، جاء إلى الجدار من شرق مدينة غزة اسماعيل رضوان، وهو من قادة حماس في القطاع. في خطاب له أمام المتظاهرين دعاهم رضوان أن لا يخافوا من الموت وأن يكونوا مستعدين لموت الشهداء. بعد ذلك مباشرة انقض المئات منهم نحو الجدار.
حسب أقوال المراسل الفلسطيني كان هذا مجرد احتجاج، عشرات المتظاهرين اخترقوا الاسلاك الشائكة التي وضعها الجيش الإسرائيلي، حوالي 30 متر غرب الجدار الفاصل قرب حاجز كارني. المتظاهرون وصلوا إلى الجدار الحدودي وأشعلوا الاطارات وألقوا زجاجات حارقة وحاولوا اقتحام الجدار، في نقطة تبعد أقل من كيلومتر عن كيبوتس ناحل عوز. عدد منهم حملوا المسدسات، وحسب شهادة اربعة شهود عيان فلسطينيين، فإن اثنين منهم قاموا باطلاق النار على الجنود. الجيش الإسرائيلي رد باطلاق نار القناصة والرصاص المطاطي. الحصاد الدموي كان ثلاثة قتلى فلسطينيين (بعد ذلك تم الابلاغ من المستشفى عن قتيل رابع مات متأثرا بجراحه وهو شاب إبن 15 سنة) ومئات من الجرحى.
أحداث أول أمس هي بصعوبة تعتبر بروفا عامة مقارنة بما يتوقع حدوثه كما يبدو في 15 أيار/مايو. حماس تبني بثبات الدراما قبيل ذكرى يوم النكبة، الذي سيتم احياؤه بالضبط في الفترة بين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وبداية شهر رمضان. قادة حماس في القطاع يخططون لاقتحام جماهيري سيسقط الجدار وسيبرز أزمة سكان غزة وسيرمز إلى حق عودة اللاجئين إلى اراضي إسرائيل في حدود 1967. يجب الاعتراف أنه حتى الآن فإن صيغة حماس التي سيطرت على المظاهرات والتي نظمت بداية على أيدي نشطاء مستقلين تعمل بشكل جيد.
مقال «نيويورك تايمز» هو مقال استثنائي. فمعظم التغطية الدولية تتبنى بشكل غير مفاجىء ورغم الدعم الذي تمنحه ادارة ترامب لإسرائيل، تتبنى الرواية الفلسطينية: التظاهرات توصف بأنها احتجاج مشروع، تنحرف أحياناً نحو عنف محدود من جانب الفلسطينيين. القتل الجماعي للمتظاهرين ـ 44 شخصاً اضافة إلى آلاف المصابين منذ 30 آذار/مارس ـ يعتبر رداً زائداً من قبل إسرائيل. وليس غريبا أنه لم يتم اطلاق أي صاروخ من القطاع خلال الاسابيع الاخيرة، فالتظاهرات وحدها تبقي الانطباع المرغوب لحماس.
على خلفية ازدياد عدد المصابين الفلسطينيين يناور الجيش الإسرائيلي بين هدفين متناقضين: تقليص عدد القتلى والدفاع عن الحدود وردع حماس عن اقتحام جماهيري في 15 أيار/مايو. في يوم الجمعة الاخير تم فرض كبح معين حول أوامر إطلاق نار القناصة، حتى الحادثة التي وقعت خلف حاجز كارني، التي في أعقابها تم فتح نار القناصة وأصيب معظم القتلى والجرحى.
كما جاء في هآرتس في بداية نيسان/أبريل، فقد بدأ الجيش الإسرائيلي بالعمل ضد حماس بوسائل اخرى، على أمل أن تساعد هذه الوسائل في الردع قرب الجدار ايضا. في ليلة يوم الجمعة تم قصف مستودعين للسلاح واربعة زوارق تستخدمها قوات حماس العسكرية. الهدف كان اعطاء اشارة لقادة حماس بأنه يوجد ما يفقدونه ايضا في اماكن اخرى إذا قاموا بتصعيد المواجهة على الجدار.
في الخلفية القيادة العامة منشغلة طوال الوقت باحتمالية التصعيد في جبهة اكثر خطورة ـ الجبهة الشمالية. إذا تم تنفيذ عملية رد إيرانية على القصف المنسوب لإسرائيل في قاعدة «تي 4» في سوريا، فإنها ستضع التوتر في غزة على الهامش.
اقتراح شتاينيتس
في إحدى المشاورات الأمنية الاخيرة طرح الوزير شتاينيتس اقتراحا بديلا هاما: جزء من الضائقة الحالية في غزة ينبع من قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تجميد دفع الرواتب لموظفي السلطة في القطاع. هذا العقاب أضر بالقوة الشرائية للسكان إلى درجة أن حجم التجارة المحولة من إسرائيل والضفة الغربية إلى غزة، تقلص. لأنه لا يوجد من هو قادر على شراء البضائع. شتاينيتس يقترح بأن تقوم إسرائيل بخصم المبلغ المجمد من اموال الضرائب التي تنقلها للسلطة وأن تحوله بشكل مستقل إلى الموظفين في القطاع بهدف تخفيف الضغط الاقتصادي هناك. حسب رأيه هذا الامر قابل للتنفيذ. في الاجهزة الأمنية لم يردوا حتى الآن على هذا الاقتراح.
غداً ستناقش المحكمة العليا استئناف منظمات اليسار وحقوق انسان إسرائيلية ضد تعليمات اطلاق نار القناصة على حدود القطاع. رئيس قسم العمليات في هيئة القيادة العامة، الجنرال نيتسان الون، سيعمل على اقناع القضاة في المحكمة التي من شأنها أن تتم في غرف مغلقة بأن الاحتجاج في غزة ليس احتجاجاً عادياً، وأنه إذا نجح المتظاهرون في اختراق الجدار فليس متوقعا أن تكون مظاهرة سلمية حول الكيبوتسات والبلدات، بل محاولة عنيفة لاقتحام المستوطنات. يصعب تصور أن تقوم المحكمة العليا في جو الحصار السياسي الذي يجري الآن ضدها، بالتدخل مباشرة في الاعتبارات العملياتية للجيش الإسرائيلي. مثلما تبدو الامور الآن، المواجهات على الحدود ستصل إلى الذروة في 15 أيار/مايو، والآن لا توجد طريقة لضبط المواجهة.
هآرتس 29/4/2018