■ يعتبر التونسي عمر كريم من الفنانين الذين جددوا الصلة عن قرب بالموروث الحضاري، وتحقيق التفاعل التراثي، لبعث أعمال فنية معاصرة. وإنّ المتتبّع لمسار تجربته، يلاحظ ثراء على مستوى المراحل التي مرّت بها تجربته الفنيّة. استطاع عمر كريم إخراج المنسوج التقليدي من حدود الحرفة اليدوية للارتقاء به نحو البعد الجمالي والفكري والاجتماعي.
تتميّز منسوجاته بديناميكية واضحة في طريقة إنشائها، وهو ما ساهم في منحها ليونة وطواعية في الشكل والمادة، حسب إرادتها وطاقاتها الإبداعية، واشتملت أعماله على توليفات جمالية وتقنية، ساهمت في إثراء عمله النسيجي. ويكون النول أحيانا جزءا لا ينفصل من القطعة الفنية، حيث يقوم بالتعبير المباشر من خلال بناء لمجموعات متوازية من الخطوط الرأسية (السداء)، تتعاشق بنسب مختلفة، وتكرارات متعددة، مع مجموعة أخرى من خيوط أفقية (اللحمة)، ممّا يعطي تأثيرات مميزة يصعب تحقيقها من خلال الأساليب الفنية الأخرى. ورغم بساطة الشكل والأداء إلا أنه يمكن ببعض الصياغات الفنية، والتنوع في توزيع الألوان والخامات والخيوط، لكل من السداء واللحمة الحصول على تصميمات عديدة ومتنوعة. واستطاع الفنان أن يحقق حركة تقديرية من خلال نسج شرائط من الخيوط مع بعضها بعضا كوحدات مستقلة، ثم إضافتها إلى العمل في اتجاهات توحي بالحركة والانسيابية. كما نلاحظ التأثيرات الجمالية الناتجة من التنوع في تلك الخيوط الملونة، فقد حاكها الفنان بكلّ دقّة واختيار وتجانس، فخلقت ملامس وحياكات متنوّعة لتكون تارة ملساء وتارة خشنة.
وابتعد كريم عن الأطر الهندسية التقليدية التي صاغت منسوجاته، والقائمة أساسا على أطر متنوّعة الشكل والمساحة، ليقدّمها في شكل جديد. ولا يقتصر العمل على هذه الثنائيات فقط بين الواقع والخيال، البعد الثالث والتسطيح وحسب، بل تراوحت الأشكال أيضا بين الثابت والمتحرك، الذي أبرز تلك الوضعيات المختلفة، فالعناصر التي توهم بالحركة أصابع المرأة وحركة الطيور واختلاف وضعيات الحصان الأول والثاني، أم الأشكال الثابتة فتبرز من خلال الوضعية الثابتة للمرأة والحصان. وعندما نجيل نظرنا في مسطحات منسوجاته الفنية، نلاحظ انفصال الأشكال عن بعضها بعضا، وارتباط الألوان وانسجامها بين اللون القاتم والمضيء، وانشطار الهيئات الإنسانيّة والحيوانيّة لتشكل بذلك لوحات غير مكتملة في شكلها المادي، لكنها متناسقة ومنتهية في تأملنا لجميع عناصرها. فيتكرر حضور الألوان داخل الأشكال، مثلا نجد صورة الحصان الأبيض المتجسد في هيئة امرأة، هناك طيور زرقاء موزعة على سطح المنسوجة، اللون الأصفر الذي يرمز به إلى الحلي… وجعل هذا الفنان من المنسوج الحائطي ملتقى جامع للعديد من التقنيات والخامات، التي يراوح فيها بين النسيج «الملطائي والخرتوي»، مستعملا الصوف، الخشب، النحاس، وخيوط النول بأسلوب بنائي منظم ومتجانس، تتعايش فيه الخيوط مع هذه المواد متخذة من توزع الألوان والأشكال حركة بصرية جماليّة، توهم الناظر بأنها جزء منها.
غير أن هذه التداعيات اللونيّة في رسوماته داخل المنسوجة، لم تكن في تجاربه الفنية إلا مزجا لعالمه الخاص بالمحيط، انطلاقا من علاقته العفوية باللمسة المتحررة، وما تجسده وتقيمه من تطلعات فنية تزيد من الإحساس بالحرية التلوينية والتكوينية، يوضح ذلك طغيان الحقل البصري، الذي يجعل لنفسه مساحة رحبة، تقلص من أسر الإطار والتأطير معا، كما أن الحضور اللافت للبعد الثالث يزيد من هذه الحرية الإبداعية. ولذلك فالصور والعلامات التي اعتمدها، هي في الحقيقة الشكل الذي من خلاله يبرز التفكير على سطح وعي هذا، فهي ليست محتوى نفسيا ولا واقعا ساكنا أو شيئا ما يخدم التفكير ويوجد سابقا عنه. إن الصورة في هذه المنسوجات هي «نشاط ذهني وفعل إرادي. وفي استقلالها عن كل ذلك لا تساوي الصورة أي شيء»، لأن خصوصيتها (المنسوجة) تكمن في طرق توزيع مكوناتها، حيث أمكن التمييز بين النسيج الأملس، والنسيج المحبب، والنسيج المتموج، والنسيج الخشن، وغير ذلك، كلها محددات للفضاء، تغدو فيها الأشكال الطبيعية مثارا للتساؤل حول كيفيات نقلها ومدى استيعابها لرؤيته الفنية الجمالية، استنادا إلى نوع التناغم الحاصل بين الألوان والأشكال.
من هنا تبرز القيمة الجمالية والمعرفية والفكرية، نتيجة ذلك الربط المباشر بين مدرك البصر ومدرك اللمس، سواء كان هذا الإدراك مباشرا، أم إدراكا نابعا من الحس المشترك. إن كل هذه العناصر الشكلية والمضمونية التي تحبل بها منسوجات عمر كريم، تعمل متضافرة في القذف بالمعنى نحو ساحة للتداول والتفكير، فهي موجهة ومساعدة في تحديد دلالات الصورة؛ فاختيار علامات بصرية بمختلف تجلياتها، لم يكن اعتباطا، بل مهمازا للبوح والتعبير وإرساء رؤية جمالية مخصوصة.
٭ باحثة تشكيلية من تونس
مبروكة بوهودي