ببطء ولكن بثبات تدخل دولة إسرائيل في سنتها السبعين إلى الواقع في المسألتين الأساسيتين للهوية، الديمغرافيا والاراضي (أو الحدود). فالوجود المادي مضمون، رغم أحداث أيار/مايو القريب (النكبة، نقل السفارة والاتفاق النووي) ورغم صافرات التخويف التي يطلقها نتنياهو وشركاؤه. هكذا بحيث يمكن أن نفحص بشكل بارد وبالحقائق المسألتين الاساسيتين اللتين تشكّكان بالوجود الوطني. فلنفهم: الوجود المادي لا يضمن دولة يهودية، بل يضمن فقط حماية لليهود وطقوسهم في الدولة التي ستنشـأ هنا. وعليه فإن المسألتين الاساسيتين، الاراضي والديمغرافيا، تستوجبان حسما عاجلا للغاية. بين دولتين، يهودية وفلسطينية غداً، أو دولة واحدة ثنائية القومية بعد غد.
دولة واحدة بين النهر والبحر موجودة منذ اليوم، غير أنها ليست ثنائية القومية. هي دولة أبرتهايد. فالاحتجاز بالتهديد وبالعنف لملايين بني البشر دون الحق في تقرير المصير بينما تدعمهم الغالبية الساحقة من العالم، هو مسألة مؤقتة. فلا خلاف على أنه لا يمكن تسويف زمن الابرتهايد من دون أن يغير تماما وبعنف وجه إسرائيل، من دولة يهودية في الطريق إلى دولة كل مواطنيها. وآمل ألا يفكر أي شخص نصف سوي العقل وربما أخلاقي أو يريد أن يواصل في ذلك إلى أن تأكلنا نحن أيضاً الحراب إلى الأبد.
كلما كان الزمن في الطريق إلى التسوية هو سنة، 10 أو 20، فإن النسيج الديمقراطي لإسرائيل يتآكل عقب طالبانية متسارعة واحتياجات امن تستوجب أجواء ووسائل دولة في حصار. هكذا إلى أن يكون عدد الضحايا في حدث عنيف على نحو خاص، ضغط دولي وتنكر الإسرائيليين ممن لم يتم اصطيادهم في شبكة التحريض القومية ـ الدينية، تتسبب بالتحول.
حتى ذلك الحين، فإن ما يعمل بنجاعة ضد سياسة الحكومة هو الديمغرافيا. في إسرائيل يعيش اليوم نحو 6.5 مليون يهودي. فقد عرض مندوب الادارة المدنية قبل نحو شهر في لجنة الخارجية والامن معطيات يفهم منها بأنه بين النهر والبحر يوجد عرب أكثر مما يوجد يهود. في الضفة وفي غزة يعيش اليوم 5 مليون فلسطيني. في إسرائيل يوجد 1.8 مليون عربي. وحسب معطيات السلطة الفلسطينية، في العام 2020 سيكون بين النهر والبحر نحو 6.06 مليون يهود و 7.12 مليون عربي في إسرائيل، في الضفة وفي قطاع غزة. أي غالبية فلسطينية بين النهر والبحر. أما البروفيسور سيرجيو دي لا فروغلا من الجامعة العبرية فقد ادعى منذ قبل سنتين بأن الغالبية اليهودية بين النهر والبحر تبلغ 52 في المئة. وكيفما تلعب بالاعداد، سيصل الفلسطينيون إلى غالبية بين البحر والنهر. وكيفما تسليت في ترسيم خطوط الحدود بين المستوطنات والبلدات الفلسطينية، فإن الواقع سيفرض على الناس الذين يعيشون في محيط واحد ان يكونوا ملزمين بذات قوانين الحركة وباقي القوانين من اجل البقاء والتسهيل على الحياة.
من يفهم بأن هذا هو اتجاه التاريخ هم اولئك الذين يعرفون بأن هذا الواقع سيصفي مشروعهم وقتهم ونفوذهم: المستوطنون والمتعاونون معهم. فعلى مدى السنين يديرون لعبة ضغط على كل ملعب كي يدفعوا الفلسطينيين إلى الهجرة. هذا لم ينجح بمستوى يغير الديمغرافيا. ومن هنا لاحقا تلقى إلى الهواء انواع من المبادرات، كل واحدة منفلتة العقال وخيالية اكثر من رفيقتها. وزير الشتات نفتالي بينيت شكل لجنة قررت بأنه يوجد نحو 60 مليون شخص في العالم ذوو صلة باليهودية أو بإسرائيل، وانه توجد طوائف في أوساطهم يمكن فحص هجرتهم إلى البلاد وتهويدهم. «رفعت اللجنة إلى الحكومة تقريرا اجماليا تدعو فيه إلى وضع خريطة للطوائف ذات الصلة بإسرائيل، وغرس مضامين فيها ترتبط بالدولة وباليهودية وتأطير صيغة وصول إلى إسرائيل لغرض تهويد الافراد، الجماعات والجاليات التي توجد ملائمة لذلك». وحسب اللجنة فإن هذه «فرصة استراتيجية غير مسبوقة». وفي واقع الامر ما الضير؟ فإن الجميع هنا سيخرجون رابحين.
في هذه الاثناء إلى أن ينتصر كل اليهود من الهند وحتى كوش على الديمغرافيا، ينبغي تنفيذ عدة نشاطات على المستوى المحلي. بعضها، من ناحية الرجال على الاقل، ممتعة جدا مثل فريضة تكاثروا، ولكن يتبين بأن الواقع المسمى تقدم يتجاهل الفريضة ايضا. فحتى في الوسط الاصولي، الذي كان يفترض به أن يتصدر الاحصاءات، يوجد ميل هبوط.
ما يجلبنا إلى المفتاح الثاني الذي تقف إسرائيل أمامه في النزاع، وهو الاراضي والحدود. فبعد أن ضاقت عليهم السبل، وفهموا بأن الضم معناه الهزيمة الديموغرافية، لا يزالون يحاولون هناك إحداث المعجزات مثل مشروع قانون كيش وسموتريتش.
ليس ضم كل المناطق، بل فقط ضم المستوطنات: «القانون، الحكم، الادارة والسيادة لدولة إسرائيل تنطبق على كل مجالات الاستيطان في يهودا والسامرة»، كما يقترح القانون الذي رفع إلى القراءة الاولى. ولا يوجد هناك بالطبع تفصيل لمناطق المستوطنات.
بالاساس هذا شيء ما باسلوب تأخير المخططات الهيكلية للدولة بالنسبة للوسط العربي نفسه. حين تفيض القرى والمدن لعرب إسرائيل على ضفافها وتسلل إلى البلدات اليهودية. في المدن المختلطة هذا يمر بصمت. العرب واليهود يسكنون في حيفا وفي الناصرة. العرب يسكنون في بلدات منعزلة هم سبب للاحتفال الذي ترقص فيه الوطنية المتطرفة، العنصرية والمخاوف. سيون يحيئيلي، رئيس المجلس المحلي في كفار فرديم، الغى عطاءات لبيع الاراضي لوحدات السكن. فقد تبين بأن نصف الفائزين هم عرب. قد كتب لسكانه يقول، محقا «مسألة تحويل بلدات أقيمت كيهودية إلى بلدات مع سكان مختلطين بهذا المستوى والحجم هذا او ذاك، ليست مسألة خاصة بكفار فرديم». ما يذكرنا جميعا بالحقيقة المريرة: كلما هربنا من واقع حياتنا، هكذا يعود الينا كالسهم المرتد.
ولعلم كل يعيش في فقاعة (كلنا تقريبا): مساحة الحكم لعموم السلطات المحلية العربية هل بالكاد 2.5 في المئة من مساحة الدولة، ومواطنو إسرائيل العرب هم نحو 20 الف. فالاكتظ السكاني في البلدات العربية اكبر بـ 11 ضعف منه في البلدات اليهودية. ومنذ اقامة الدولة فم تنشأ اي بلدة عربية (باستثناء للبدو، في النقب)، مقابل نحو 800 بلدة يهودية. تمييز؟ ام التمييزات.
والاسوأ: الوعود العابثة. مثل اقامة مدينة عربية خطط لها في العام 2000، تقررت في جلسة حكومية في 2008، واعلن عنها بصخب في 2014. «اقامة البلدة»، كما كتب في التقرير الذي رفع إلى الحكومة، هي رسالة للسكان العرب بأنه لا تقام بلدات جديدة فقط لليهود بل وللعرب ايضا. اما اسم المدينة بالعربية فهو خرطة. وبالعبرية برطة (خرطة برطة هو اصطلاح يستخدم للتعبير عما هو خدعة وزيف).
ران أدليست
معاريف 29/4/2018