بحثت بحماس عن محطة تلفزيونية لكوريا الشمالية تنقل على الهواء تفاصيل القمة التاريخية بين الكوريتين وأخفقت طبعاً.
لكن الصور الأولى صباح الجمعة وجدتها في محطة صينية تُلتقط في عمان وتتحدث بحماس عن المناسبة.
كان المشهد مثيراً للغاية.. حاجز بـ 20 سنتيمتر فقط يفصل بلدين.. قفز أبو تسريحة جنان الكوري الشمالي الخطوة نحو جاره ثم شبكا الأيدي وانتقلا إلى الجانب الآخر بعد نزاع استمر عقوداً على التراب والطين نفسهما.
واضح أن جهة ما هندست القصة.. لا يوجد عرس ولا حفلة ولا عزاء في العالم إلا وراءه جماعة «سي آي إيه».
لكن التقارير تتحدث هذه المرة عن «نصيحة صينية» مطرزة على أساس فهم متقدم لذهنية البلطجة التي يقودها الرئيس الأمريكي لأستبدال نظام العلاقات الدولية.
عموماً إنتهى النزاع على جثتنا نحن العرب فقد قالها أبو تسريحة جنان: لا أريد ملاقاة مصير صدام حسين والقذافي .
تلك قاسية في حجم الكرة الأرضية فقد أصبح زعماؤنا مثلاً .
زيت خروع صيني
الأهم ان تلفزيون الحكومة الأردنية يحتفل بالعيد الخمسين له وهذه مناسبة عزيزة مدعاة لسؤال: الوزير الأمريكي بومبيو نشر صوره مع الزعيم الكوري الشمالي و«جماعتنا» قرروا قبل أشهر «قطع العلاقات» غير الموجودة أصلاً مع كوريا الشمالية.. طبعاً لا توجد «جالية أردنية» في كوريا الشمالية لكن الشعب لم يفهم بعد لماذا قطعنا العلاقات.
بمناسبة الاسئلة المحلية الحارقة ..لا أحد يعلم في الأردن لماذا طلبنا من سفير قطر المغادرة فيما سفارته «شغالة فل أوبشن»؟.. ولماذا قررنا تجميد إتفاقية تجارة حرة مع تركيا مع أن من فعلنا ذلك من أجل سواد عيونهم يقيمون كل أنواع العلاقات الشرعية وغير الشرعية مع تركيا؟.
عموماً في لحظات «التخبط والإرتجال الإداري» تبقى الاسئلة معلقة.
نعود لفضائية الجزيرة وهي تنقل الحدث بين الكوريتين حيث تحول فجأة زعيم كوريا الشمالية من شاب متهور يقتل زوج خالته ويفطر قلوب العذارى الكوريات ويمنع الساتلايت ويهدد ترامب، إلى حمل وديع مبتسم يجنح للسلام ؟.
هل نتحدث عن «زيت خروع» صيني صالح لتسهيل عبور الخلافات والإنقسامات؟.. ليت أهلنا في الصين يرسلون بعض الزجاجات الصغيرة لزعماء الحقن الطائفي وحيتان الفساد بيننا حتى تقتنع السعودية بأنها قد تجد طريقة لوقف العداء مع إيران وتجنب إبتزاز الرئيس ترامب وإسرائيل تماما كما فعلت أمريكا الجنوبية.
يحتاج مثل هذا الأمر لما هو أكبر من الاحتفال المهيب الذي نقلته على الهواء مباشرة المحطة الثانية للتلفزيون السعودي حيث يضرب الملك سلمان حفظه الله بعصاه على لوحة إلكترونية تشرح مشروعاً سينتهي بأضخم مدينة ترفيهية في الشرق الأوسط تنافس ديزني لاند.
ألا يحتاج الترفيه السعودي لزبائن من دول الجوار مثل إيران.. ذلك يتطلب مشهداً يماثل ما حصل بين الكوريتين يجمع خامنئي والعاهل السعودي يمكن إنتاجه بشرب كمية كبيرة من زيت الخروع الصيني حتى يتوقف الرئيس ترامب عن رفع أصبعه أمام الكاميرات وهو يقول لزعماء العرب برفقة تابعه «قفة الفرنسي»: عليكم دفع المال لحمايتكم.
«كوبونات» ترامب
عموماً قدمت لنا «سي إن إن» بالعربية قطعة موسعة من التحليل وهي تتابع اللقاء الطريف والرومانسي بين الرئيس ترامب وتابعه الفرنسي الشاب ماكرون.
بصفتي أحد الرعايا العرب لم أشعر ولو لحظة بأن ترامب يخاطبني أنا أو دولتي.
وبصفتي مدمن مراقبة خلفيات الاخبار عبر الشاشات أطلت التأمل في مقاصد مخرج الأخبار بتاع «سي إن إن» الذي يتحدث عن كل مظاهر الغزل الجسدي والسياسي بين رئيسين منتخبين.
ماكرون رئيس فاز في الإنتخابات بصفته الشخصية وبدون الحاجة لحزب طويل وعريض وعريق ولأن الجمهور عايز كده، أما في العالم النايم فيفوز عضو برلمان بعدما قدم شقة في ضاحية راقية في عمان العاصمة لمن اشترط عليه أن لا يصوّت حتى لنفسه.
ما علينا.. في كل حال أعتقد ان حالة البلطجة التي تعرضها بوضوح مؤسسة الرئاسة الأمريكية ستقود حتماً إلى إسقاط كل المنظومة التي أعتاد عليها العالم في إدارة العلاقات بين الدول حيث «بدل مالي» علني مقابل خدمات الحماية مماثل لبدل الخبز النقدي لفقراء الأردن.
ممكن نقترح على ترامب توزيع «كوبونات» لتلك الشعوب الفقيرة التي لا تستطيع تأمين مال لحمايتها خصوصاً من تلك الأنظمة التي تستأجر أصلاً خدمات ترامب لحمايتها من شعوبها.
تبدو المعادلة معقدة قليلاً.
لكن لا بأس فأنا أفهم اليوم وبعدما حاولت محطة الميادين التعليق على ما قاله ترامب في باريس لإثبات «تياسة» العنصر العربي بأن الأمر مخيف جداً لبعض القوم في مدن الملح والظمأ.
هنا حصرياً نفسر السباق نحو أحضان إسرائيل حتى «تحمينا من إيران» التي تخفق اليوم بحماية عملتها النقدية.
والتي أتوقع شخصياً لها تفعيل حسها البراغماتي المرتفع وتجميد العمل بالتحشيد الطائفي قليلاً لصالح الإتفاق مع رجل العقارات ترامب ضد الوحش الأهم وهو الصين.
عندها فقط ستنضم إسرائيل على الارجح لـ «بعضنا» في البحث عن طرف ثالث يحمي الجهتين.. ساعتها أريد متابعة المحطة الثانية للتلفزيون السعودي لأعلم ما اذا كانت ستنقل لنا على الهواء مباشرة الحفل الراقص الجديد للنجمة «لهيب» وهي تنشد بالعبرية والعربية معاً على شواطىء تيران وصنافير بعد «تحريرهما» من عهدة السيسي.
الجماعة في الكوريتين أخذوها من قصيرها وشربوا زيتاً صينياً وتصافحوا توفيراً لـ «بعض المال»
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين