مًعًّك ‘سرتفيكا’! بتعيش بلبنان!

حجم الخط
0

الإعلام المًرئي، بشكل عام، يركّز على الحدث وليس عمّا يحدث يوميّا مع الناس وعن كيفية حياتهم اليومية. وإذا طرح موضوع هجرة الحاصلين على شهادات جامعية، على سبيل المثال لا الحصر، فإنهم يقدّمون أرقاما وإحصاءات إجمالية، دون البحث في المسبّبات الرئيسية التي تعدم تًوفُّر فرص عمل لاختصاصاتهم العلمية. ذهبت الى المطار يوما لإيصال قريب لي يعمل في الخارج، وآلمني مشاهدة مغادرة خيرة شباب لبنان المتعلّم، بحثا عن العمل والإرتزاق لإعالة عائلاتهم، ووصول
كهول البدو وفتيانهم الذين يمضون عطلاتهم في المرابع الليلية ذات الأضواء الخافتة التي تُضفي على أبدان الحوريات ألوانا دافئة ومثيرة لشبق الفتيان وصبابة الكهول. وفي طريق عودتي الى المنزل، دخلت مقهى في وسط مدينة بيروت لأدخّن تبغا في غليون صنعته شخصيّا مؤخرا من خشب سنديان قطعته من واد في بلدتي المتنيّة. والى طاولة ملاصقة كان يجلس ستة شبّان في مقتبل العمر، وفي يد كلّ منهم سيجارا غليظا يُحيي ذكرى رئيس وزراء بريطانيا الشهير، ونستون تشرشل. بعد حين من حديثهم المتواصل، تبيّن لي أنّهم صاحب صالة عرض سيارات فخمة، ووسيط تخليص معاملات في الجمارك، وموظف عادي في الدوائر العقارية، ومرافق مقرّب من سياسي ثري، وصاحب مكتب تأجير سيارات سياحية، وسمسار بيع عقارات وشقق سكنية. لم تتعدّ ‘حواراتهم’ حدود التباهي في كيفية صيد الزبائن الأثرياء، وخاصة الإناث منهم. حيث وسيط الجمارك هو الحلقة الأصعب في كيفية رشوة الموظفين وزوجاتهم وبناتهم بالتعاون مع صاحب صالة عرض السيارت، الذي قد جعل مكتبه الخاص الفخم، مقرالإقامة الدائمة للمرافق والسمسار والموظف العتيد وصاحب مكتب التأجير. وتحدّث السمسار عن السيدة الحلبية الثرية التي التقاها في صالة عرض السيارات وتوصّل الى شرائها شقّة فخمة في مشاريع ‘سوليدير’ المشبوهة، ووفّر عليها مالا وفيرا في عملية تسجيل الشقة في الدوائر العقارية في بيروت بفضل الموظف الذي حصل على مبلغ مرقوم لتسهيل ذلك. كما وأنّه كان للمرافق الفضل الأكبر في تأمين الحراسة الفضلى لها شخصيا، وكيف أنّها تدعوه بين الحين والآخر الى تمضية السهر في نوادي فنادق الخمسة نجوم لأن زوجها يعمل في تجارة تهريب الأسلحة الى الأرهابيين في سوريا. وكيف أنّ جميع زبائنهم يستأجرون السيارات السياحية من مكتب صديقهم الذي يوفّر للسياح العرب الذكور، أرقام هواتف سيدات لبنانيات ذوات مقامات إجتماعية ‘مُشًرّفًة’، لا يندى لها الجبين!! كنت على ثقة مطلقة أنّ أكثرهم علما، لم يتعدّ حصول على شهادة السرتيفيكا الإبتدائية، ‘المشهود’ بأن من ينالها يكون قد جمع بين معرفة الجهل وجهل المعرفة، من أقصاها الى أقصاها! كما أنهم يتباهون جهارا أنّ مداخيلهم الشهرية الخيالية لا يصدقها عاقل أو ‘مواطن مهاجر صالح’ أمضى الليالي للوصول الى العلى، بل وصل بعد كل جهوده الى مطار بيروت ليعلو في الطائرة الى حيث الكفاح والنضال من أجل لقمة العيش المغمّسة في الصراع الدائم بين الحنين والشوق وبين حياة الذل والإذلال في مزارع الجهل والفساد وكهوف مافيات العقارات والدعارة والتزلّم والظلم اللامتناهي. إنّ لبنان، على ما هو عليه، هو الإثنان معا: بيوت للإيمان، وبيوتات للشيطان، حيث سقط نًصيفُ الدولة، وًفًضُحً حًالُ خُصيًانها.
سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية