معركة مصر الفاصلة.. هي الدستور التوافقي

الغالبية العظمى من أبناء المجتمع المصري في أمس الحاجة هذه الأيام لأن تطمئن على دستورها، الذي تقوم لجنة الخمسين على تعديله، وتعهدت بان يأتي توافقيا ملبيا للحاجات التي طرحتها ثورة يناير 2011، وموجاتها المتتالية التي كان آخرها 30 حزيران/يونيو 2013.
هذه الغالبية بكل ما تمثله من أطياف وسواد الشعب المصري تكتنفها في اللحظة الراهنة خشية ألا يأتي ‘المنتج القومي’ الذي يشغل المجتمع كله، على غير ما تطالب به قواه السياسية والثورية الوسطية التي لا تعرف التشدد من ..
ارساء لآليات الديمقراطية
والتأسيس لنظام اقتصادي يراعي الفرد والجماعة
وتأكيد على مدنية الدولة وتساوي حقوق مواطنيها
وعدم الخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي
هذه الغالبية بكل أطيافها وتداخلاتها تنتظر ما سيدون من مواد، تؤدي إلى استعادة هيبة الدولة، وليس بوليسيتها وأدواتها القمعية.. وما يؤكد هيبة القانون وعدم تسييسه وما يرسي دعائم المؤسسات ويضمن عدم انحرافها، ويقضي على أي بادرة للفساد أو الإفساد السياسي.. الخ ويقنن ما جري منذ يناير 2011 وحتى اليوم.
أزعم أن كافة معارك الدولة مع الخارجين على القانون والمفسدين والمخربين مهما كانت أهميتها تعد صغيرة بالقياس إلى معركة التوصل إلى دستور توافقي، يتلافي العوار الذي ألم بدستور عام 1971، والفشل الذي قاد لدستور 2012.
لا بد للمجتمع بكل طوائفه أن يكسب معركة التعديلات التي تتدارسها لجنة الخمسين، وعمليات الحذف والإضافة التي ستقوم بها على النحو الذي حدده البيان الرئاسي، الذي صدر في أوائل شهر تموز/يوليو الماضي.
ورغم السياق المختلف الذي أدى إلى طرح هذين الدستورين، حيث لحقت بالأول تعديلات معيبة وغير متزنة ومشخصنة بدرجة كبيرة، وجاء الثاني انعكاساً لهمينة جماعة الإخوان المسلمين على الجانب الأكبر من أدوات الحكم في مصر. الأول ورثه حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك قوياً متيناً متوافقا عليه، إلا أن ممارسات الحكم المتعدية على امتداد أكثر من ثلاثين عاما، ادت به إلى الترهل. الثاني سيطر فصيل سياسي واحد على صياغة مواده، فجاء معظمها مغلفاً بتوجهات ايديوولوجية فاقعة لا تتناسب مع واقع محلي، وتتنافر معه على المستويين الإقليمي والعالمي.
الجهد الذي تبذله لجنة الخمسين يجب أن يراعي الظرف التاريخي الذي تعيشه مصر الدولة والشعب منذ يناير2011، وما أفرزته المناخات الدولية من حولهما من تغيرات، وما يحيط بالوطن من صراعات وتدخلات خارجية ومؤامرات وافدة.
هذه المراعاة الواجبة تفرض عليها أن تأخذ في الاعتبار متطلبات الديمقراطية والعولمة من ناحية، واحتياجات الحرية الاقتصادية التي تجمع بين حق الفرد والجماعة، وتدخل الدولة من ناحية ثانية، ورقابتها المقننة من منطلق العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان على كافة المستويات من ناحية ثالثة.
هذه هي الرؤية الدستورية الجامعة التي تتطلع إليها الغالبية العظمى من الشعب المصري، لكي يأتي دستورها المعدل مستجيباً لمستقبل أجيالها لعشرات السنين القادمة، وعاكساً بدقة وصدق وشفافية لشعارات ثورتهم ‘الحرية + العيش + الكرامة الإنسانية’.. مبتعداً كلية عن كل ما يشير من قريب أو من بعيد للتلميحات الشرعية التى خلطت بجهل بين ما هو سياسي دنيوي قابل للأخذ والرد، وما هو ديني سماوي مقدس.
أقول ذلك لأنه حتى كتابة هذه الأسطر لم تتبلور بعد ملامح الشكل الكلي للدستور، بعدما اعلن من أطر التعديلات التي تتناولها اللجان المنبثقة عن الخمسين، وما طرحته طوائف الشعب من مخاوف وشكوك، حول ما قدمته من مقترحات وآراء.
لا أحد ينكر أن اللجنة تعمل بجدية ملحوظة وشفافية تحسب لها.. ويحسب لها أيضا أن مناقشاتها تجري بحيوية ومكاشفة، استطاعت ان تحتوي تنوعاتها، من دون تفريط أو تباه.. خاصة أن الجو العام داخلها بعيد عن الاستقطاب الحاد الذي خيم بظلامه على اللجنتين السابقتين عليها، والتي جاءت صياغة آخرهما لبنود دستور 2013 معطلة لحركة المجتمع ومزعزعة لأمنه وأمان أبنائه.
نظرية الحكم التي تتوق إليها كافة الوان الطيف السياسي المصري، بلا استثناء، يجب أن تأخذ حظها من التدقيق والتمحيص، بحيث تنص على قيام نظام حكم رئاسي يتم فيه توزيع السلطات الحاكمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والمجلس النيابي بكل دقة، بحيث تأتي متوازنة ومتكاملة ومحددة بوضوح ليس فيه تداخل ولا ضبابية، يفسر بوضوح مستويات تحمل المسؤولية وموجبات العمل من أجل المستقبل.
أما النموذج الاقتصادي الذي تنتظره الغالبية الساحقة من المواطنين، فيجب أن يأتي جامعاً لمقتضيات العدالة الاجتماعية من ناحية، وآليات قوى السوق من ناحية ثانية، أي ان يكون ضاما تحت جناحيه القطاع العام ذا الوجهة الاجتماعية العادلة، التي تتم مراقبتها على كافة المستويات، والقطاع الخاص ذا الطابع الرأسمالي الرشيد الذي يستجيب للتخطيط ويشارك فيه، بل ويعمل على تنشيط كافة المناحي التي تخدم الفرد والجماعة وتدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إحداث توازن فعال بين احتياجات الاستيراد والحماية الواجب توافرها للصناعات المحلية، بلا اعتداء على المصلحة الخاصة والحوافز الفردية.
ولا يمثل هذا النموذج مطلباً مستحيلاً، فالكثير من الدول الاوروبية التي عانت على مدار السنوات الخمس الماضية من أزمات اقتصادية ومالية واستثمارية، ولا زال بعضها يعاني من تقلص بنود نفقاته الخدمية بسبب قواعد الرأسمالية المتوحشة، التي أدت إلى غرق وإفلاس عشرات الشركات والمؤسسات والبنوك.. تسعى بكل طاقاتها الإبداعية والتراكمية للتوصل إلى نسق يجمع بين حرية السوق وضوابط تدخل الدولة، لمنع وقوع مثل هذه الكوارث مستقبلاً، مع توفير أكبر قدر من الحماية للمواطن ومراكز الإنتاج والاستثمار، أو ما يسمى بإشراف الدولة الرأسمالية على الاقتصاد الوطني بكل أشكاله ومكوناته.
نظرية الحكم المتوازن والنموذج الاقتصادي يخدمان المواطن ويؤكدان حقوق المواطنة.. ويفتحان الباب لتقوية الأحزاب السياسية القائمة، ويعملان على دمج الكثير منها ضمن اطار واحد يجتمع داخله كل ما هو متوافق مع بعضه بعضا، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، الأمر الذي من شأنه ان يوسع الممارسة الحزبية على مستوى الشارع السياسي المصري، ويجدد طروحات الأحزاب القديمة، كحزب الوفد، وينمي قدرات الأحزاب الجديدة كحزب الدستور مثلاً.. مما يوفر المساحة التفاعلية لوجود أحزاب سياسية ذات وزن وتأثير في المدى المتوسط.
أما العدالة الاجتماعية فهي في رأيي الحاجة الأكثر إلحاحاً عندما نقيسها وفق معيار الاحتياجات الشعبية وتطلعاتها الثورية.. لأنها تتطلب النص في الدستور على حق المواطن في التعليم والعلاج والعمل، وعلى حقه في المسكن وفي التأمين ضد البطالة، وعلى حقه في حرية التعبير وفي حرية المعتقد، وحقه في المعاش.
باختصار تلبية حاجاته الأساسية في التمتع بحقوق معيشية لائقة تتماشى مع ظروفه الاجتماعية وبيئته التي يعيش فيها، وتلك التي يتطلع لبلوغها بشكل سلمي اجتماعي متواقق عليه.. وما يتطلبه ذلك من ضرورة التزام الدولة وما يصدر عن مجلسها التشريعي من قوانين، وما تقوم حكومتها بتنفيذه من سياسات مستقبلية، بمعايير المواطنة وقياسات التساوي في الحقوق والواجبات، والحرص على كرامة المواطن في كل الأحوال وأمام جميع مؤسسات الدولة والحرص على تكافؤ الفرص أمام الجميع بلا تمييز أو تهميش أو إقصاء.
ان أخطر ما تعانيه قطاعات كبيرة من أبناء الشعب المصري، خاصة في ما يتعلق بمبادئ الديمقراطية القائمة على الاختيار بين البدائل، سواء كانت شخصيات أو برامج أو آليات، هو أن ثقافة المواطن المصري عند الاختيار لم تتبلور بعد بالشكل الكافي الذي يؤدي إلى اكتسابه لعناصر التوفيق عندما يدلي بصوته الانتخابي، لأن هذه الثقافة لم تتعرف بعد على ضرورات التدقيق في برنامج الشخص أو المؤسسة، ومناقشة مردوده على المجتمع والوطن، ولا زالت حبيسة شخصية الفرد وعائلته وما يمكن ان يوفره من مصالح على المستوى الفردي.
وفي رأيي أن المجتمع المصري لن يتخلص من هذه الآفة الا إذا اهتمت لجنة الخمسين بكل ما يمت للعدالة الاجتماعية بصلة، وما توفره من تحقيق للمساواة في الحقوق والواجبات، وما سيترتب على إنفاذها من نتائج إيجابية ملموسة في مجالي التعليم والعلاج من ناحية، ومشاريع التنمية الاجتماعية الشاملة المستدامة من ناحية اخرى، ومن نتائج إيجابية على الأمد القريب والمتوسط.. والتي من شأنها أن تعلي من قيمة المواطن وإنسانيته وتجعله قولاً وفعلاً سيد قراره، الأمر الذي من شأنه أن يوقف مخططات استغلاله اللاإنساني في سوق شراء الأصوات أو في دوائر الخدمات التي تقدمها الدولة مرة واحدة ونهائية ..
استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية