انسحبت انتصار أحمد جاسم من الانتخابات في العراق والتي ستجرى في 12 أيار/مايو، بعد أن رفع إلى الشبكات الاجتماعية فيلم فيديو ظهرت فيه بأنها تمارس علاقات جنسية. هذا فيلم اباحي بكل معنى الكلمة، وليس واضحا على الاطلاق اذا كان محررا أم حقيقيا، وبالاساس ليس واضحا من نشره.
كما نشر مؤخرا فيلم ظهر فيه شاب من مدينة نجف المحافظة يقبل ويداعب صورة المرشحة هدبه الحسناوي. غير أنه في هذه الحالة لم تتنازل المرشحة، ورفعت دعوى على الشاب امام المحاكمة القبلية. فقد طلبت قبيلة الحسناوي من قبيلة الشاب تعويضا بمبلغ 84 الف دولار على المس بشرف ابنة القبيلة. وقد دفع المبلغ بكامله منعا لحرب بين القبيلتين. في حالة اخرى سرق من مرشحة من سكان الاقليم الكردي الهاتف النقال، والافلام التي كانت فيه، وفي احدها ظهرت ترقص في فستان قصير، نشرت في الشبكات الاجتماعية.
هذه هي الحالات المتطرفة في معركة حامية الوطيس، حيث يكاد يكون كل شيء مباحا. في الشبكات الاجتماعية تتعرض المرشحات للشتائم والتشهيرات التي كل غايتها المس بنجاحهن. اكثر من 7.100 مرشحة سجلوا للتنافس على 328 مقعدا في البرلمان، نحو 30 منهم نساء، حسب الدستور محفوظ لهن ربع عدد المقاعد على الاقل. ولكن اذا كان التنكيل السياسي بالنساء في حملات الانتخابات في الماضي نادرا، هذه المرة يبدو انهن بتن يعتبرن تهديدا سياسيا حقيقيا. في الاعلام العراقي تحتل هذه الاحداث عناوين كبرى، وهي تسخن الخطاب الجماهيري.
ولكن فضلا عن هذه الفصول البشعة، يمكن التأثر بالاهمية التي يوليها العراقيون لاجراء الانتخابات، بخلاف مصر مثلا، حيث معدل المشاركة هبط بشكل دراماتيكي في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، في اعقاب الفهم بأنها لا تعكس منافسة ديمقراطية في العراق تجري سياسة حيوية مفعمة بالنشاط. فنحو 188 حزبا، أقامت 27 ائتلافا، تتنافس في الانتخابات. الكتل الكبرى ذات الفرص الاكبر للدخول إلى البرلمان، منقسمة اكثر مما في الانتخابات التي جرت في 2014، والحركات الشيعية عادت فإنقسمت، والاقليات السنية والكردية كفيلة بأن تكون ذات قوة اكبر بسبب الاحتمال في أن تكون لسان الميزان بين أحزاب الاغلبية الشيعية.
ينفق المرشحون مبالغ طائلة على الدعاية والنشر. وحسب معطيات نشرت في وسائل الاعلام العراقية، فإن دقيقة البث في التلفزيون تكلف المرشح نحو 6 الاف دولار، مقابل نحو الف دولار في الايام العادية. كما ان شبكات الراديو والتلفزيون تبيع هي ايضا زمنا «صحفيا»، تجرى فيه مقابلات مع المرشحين. ويسمح القانون العراقي لكل حزب ان ينفق بالمتوسط نحو 20 سنت لكل ناخب محتمل، ولكن ملايين الدولارات التي انفقت حتى الان تشهد على مصادر التمويل الكثيرية التي تزيت حملات الانتخابات اكثر بكثير من الميزانية القانونية. فحيطان المنازل، عواميد الكهرباء، نوافذ المحلات، السيارات والقمصان مغطاة بصور وشعارات المرشحين. هذه الانتخابات هي الاولى التي تجرى بعد سيطرة داعش على أجزاء كبيرة من العراق وبعد القضاء عليه. ظاهرا، الانتصار العسكري لحكم حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق الذي أزال بالمشاركة مع الائتلاف الامريكي والقوات المؤيد لإيران التهديد الاكبر على وحدة الدولة سيوظف الانتصار السياسي بلا صعوبة. ناهيك عن أنه نجح في لي ذراع الاكراد، الذين بخلاف موقفه اجروا استفتاء شعبيا على استقلال الاقليم الكردي. وقد فرض حظرا جويا على الاقليم، وسيطر على مدينة النفط كركوك، وقلص بشكل كبير نصيبهم من ميزانية الدولة. واضطر الاكراد إلى سحب نتائج الاستفتاء الشعبي والمصالحة مع حكم العراق. ووصل العبادي نفسه الاسبوع الماضي إلى اربيل، عاصمة الاقليم الكردي، طلبا لدعم ناخبي الاقليم للكتلة السياسية التي يمثلها.
ولكن رغم كل هذا، لا يمكن للعبادي أن يكون واثقا تماما من انتصاره. فامامه يقف خصوم شيعة اقوياء، يحاولون التقليل من انجازاته. واذا كان تنافست في 2014 ثلاث كتل شيعية، هذه السنة ستخوض الانتخابات خمس كتل ستضطر إلى دعم حركات سنية وكردية كي تحصل على الاغلبية. ومجرد الانشقاق الشيعي الداخلي يدل على بطلان الفكرة المقبولة في الغرب، والتي تقول ان الصراعات السياسية في العراق، وليس فيه فقط تعود اساسها إلى الخصومة بين السنة والشيعة، وفي ضوء ذلك ينبغي فهم اجمالي النزاعات في الشرق الاوسط. مشوق بقدر لا يقل هو الصمت الاقليمي والدولي في ضوء النفوذ الكبير الذي لإيران في العراق. إيران هي الشريك التجاري الأهم للعراق، وهي تطور نخبا سياسية عراقية، تدرب قوات عسكرية في العراق وأقامت وحدات عسكرية هي الاهم في الحرب ضد داعش. كما أنها هي التي تهدىء عند الحاجة الخصومات السياسية كي تصد تهديد انفجار حرب داخلية.
بعد 15 سنة من حرب الخليج وإسقاط نظام صدام حسين، يبدو أن العراق يتقدم إلى مكانة دولة يتقرر فيها ميزان القوى من خلال الانتخابات وليس من خلال السلاح. والهجمة على النساء يشهد على ذلك، فأبداً لم تكن مكانتهن مهددة مثلما هي الان.
هآرتس 30/4/2018