ثورة 30 يونيو ليست في حاجة لمعارضة تقليدية، وحاجتها الحقيقية لمقاومة سلمية ذات طبيعة ثورية؛ وهذا قد تجنبها مصير ثورة 25 يناير المجهضة. خاصة أن مصر تواجه خطرا محدقا يفرض عليها يقظة واستعدادا كاملا لمواجهة أي احتمالات، ويعمل الحكم المؤقت على إنجاز خريطة الطريق؛ والانتهاء من إعداد مسودة دستور؛ يطرح على الاستفتاء، وإذا ما أقر تُجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وتنتهي بذلك المرحلة الانتقالية التي يُراد لها أن تكون على الهوى الغربي، والأمل هو أن تستقر البلاد بعد اكتمال مؤسساتها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية.
ومع ذلك فإن المصريين حققوا إنجازات كبرى على طريق الثورة، ومع ذلك لم تحقق ثورتهم نصرها الكامل والنهائي، ولم تهزم النظام القديم، الذي ثارت عليه، فما زالت قواعده قائمة، وتأثيره السياسي الاقتصادي والإعلامي واضحا وإن كان أقل استفزازا، وهو الذي يعيق أي خطوة نحو تطبيق العدالة الاجتماعية؛ وكانت الهدف المركزي لثورة 25 يناير.
ومعارك الدولة والثورة متعددة، وتختلف في الدرجة، وإذا كانت جبهة النظام القديم هادئة على مستوى الدولة فإنها شديدة السخونة ضد الإرهاب، أما الثورة فمعاركها ضارية على جبهتي النظام القديم والإرهاب على حد سواء، وقد حدثت القطيعة بين الثورة وبين دولة الجماعات والأحزاب الطائفية والمذهبية والعشائرية والانعزالية، منذ بداية استخدام العنف الإخواني على أسوار وداخل القصر الجمهوري في نوفمبر 2012، وهذا أسقطها وأجهض مسعاها لاستعادة السلطة فيما بعد السقوط، وأصابها بالجنون والهوس الدموي، فعملت على هدم المعبد عليها وعلى أعدائها!.
والدعوة للمقاومة السلمية الثورية هو من أجل أن تكون الثورة أكثر تأثيرا وأكثر حسما، ومن أجل إخراجها من بحر السياسة المتلاطم إلى فضاء الثورة الرحب، فالسياسة أجهضت الثورة في موجتها الأولى وسلمتها للثورة المضادة، وقد تتعرض ثورة 30 يونيو للإجهاض هي الأخرى، فبعدها ما زال للنهج ‘الإصلاحي’ الأفضلية على العمل الثوري، والبلاد في حاجة إلى إجراءات ثورية لا خطوات أقرب إلى سرعة السلحفاة، وتتسم بالبطء الشديد وارتعاش الأيدي المسؤولة.
هناك مؤشرات تقول بأن ساعة التدخل والعدوان الخارجي السافر على مصر ليست بعيدة، وما كان مؤجلا قد يحل موعده في أي لحظة، مع وجود تصورات لدى أوساط أمريكية وأوروبية أن الوقت المناسب للتدخل قد حل، ترى أن الظروف مواتية؛ فلم يبرأ المجتمع المصري من أمراض دولة مبارك البوليسية وما فيها من فساد وتعذيب وتوريث، والدولة المصرية لم تتعاف بعد من طاعون الدولة الطائفية رغم قصر مدتها، وتأثيرها الخطير على بنيان الدولة وعملها المستمر على تقويض سلطاتها وهدم مؤسساتها والانتقام من شعبها، وأثناء حديث جرى بيني وبين صديق ذكر فيه أنه سمع ردا من أحد قيادات جماعة الإخوان على سؤال عن جدوى الحرائق والعنف والقتل في مظاهرات تصفها الدعاية الطائفية بالسلمية، وحين قال له أفهم من إصراركم أنكم تنتقمون من الشعب، فما تقومون به ليس صراعا مع سلطة لكنه دخول لدوائر محرمة تواجهون فيها الشعب، فكان الرد: نعم نحن ننتقم من الشعب فعلا فهو الذي خرج لعزل محمد مرسي، وكان ردي أن ما قاله الإخواني يمثل اعترافا بخروج الشعب لعزل مرسي، ويتناقض مع وصف ما جرى بأنه انقلاب قامت به القوات المسلحة!.
وإذا كان العنف يولد عنفا فإن الدماء تنادي الدماء، والعنف كما هو معروف احتكار للدولة بضوابط القانون، ولا يحق لغيرها ممارسته إلا في حالة الكفاح المسلح ضد غزو أو احتلال أو قواعد أجنبية، ولا مبرر لغير الدولة في ممارسة هذا الحق، خاصة إذا كان للصراع الداخلي بعده الاجتماعي بعد اتساع الفجوة بين الفقر والغنى وبين الملكية المطلقة للقلة المترفة والعدم المطلق للمسحوقين والفقر الشديد للفقراء ومحدودي الدخل، ومجتمع يفتقد العدل الاجتماعي مهدد بالانفجار في أي لحظة ولا يمكن له أن يستقر، وهذا ما لا يعيه أغلب الساسة الممسكون بزمام الأمور بعد ثورة 30 يونيو، وما زالوا يسيرون على قواعد النظام السابق.
والدعوة إلى المقاومة السلمية الثورية موجهة للثوار غير المنخرطين في السياسة، ولا المنشغلين بالصراع على مقاعد البرلمان، ولا المتطلعين إلى حصص المناصب الحكومية، ولا الساعين لمجرد ملء فراغ تركه الإسلام السياسي. وكي تنجح المقاومة السلمية الثورية يجب أن تتوفر لها شروط منها:
1. بيئة حاضنة.. والمقاومة السلمية الثورية ليست أمرا سهلا، وهي نشاط نوعي يحتاج إنسانا لا يعرف المساومة؛ قادرا على ضبط النفس، ومستعدا للتصدي لتجاوزات وعنف القوى المعادية للشعب والرافضة لمطالب الثورة، مع توفر شرط الإيمان بجدواها. وبالقدرة على ممارستها، ولا يمكن أن تعمل هذه المقاومة بعيدا عن حضن الشعب، ولا بمعزل عن سلامة المبدأ. ولولا الحراك الشعبي المتصاعد في الأعوام الثلاثة الماضية ما فُتح الطريق أمام إمكانية الدعوة إلى مقاومة سلمية ثورية، والثورة نجحت في التركيز على هدف واحد وأنجزته بشكل مبهر، إلا أنه رغم ذلك الإبهار بقي إنجازا جزئيا، فالثوار نجحوا في حشد الشعب ووحدوا موقفه على هدف خلع مبارك، وهذا ما تم بالفعل، وحدث نفس الشيء حين اجتمعت كلمة المواطنين على مطلب عزل مرسي وتم عزله كذلك، أي أننا نعيش حقبة ما يمكن تسميته ‘ثورات المهمة الواحدة’، ومعنى ذلك غياب البرنامج الثوري الشامل المتعدد الأهداف والغايات. والبيئة الحاضنة تمثل ظهيرا قادرا على تحييد الخصم وشل فاعليته، ومهمتها في الحالة المصرية تهيئة مناخ قادر على التصدي لأعمال العنف والممارسات الإرهابية الجارية في أنحاء متفرقة من البلاد، خاصة شبه جزيرة سيناء.
2. برنامج وطني ثوري جامع، وأهدافه واستراتيجيته العليا محددة في أهداف ثورة 25 يناير في ‘العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية’ وأضافت إليها ثورة 30 يونيو بعدي الاستقلال الوطني والمصير العربي المشترك، والبرنامج ينطلق من هذه الأهداف والأبعاد، ويتوسع فيها ويحدد آلياتها وسبل تنفيذها، وترجمتها إلى حقائق على أرض الواقع، وبهذا يجد الثوار تحت أيديهم دليل عمل وإطارا نظريا واضحا يُخرج الثورة من دوائر التيه التي تحاصرها، وتنتقلها من ‘ثورة المهمة الواحدة’ إلى آفاق الثورة الثورة الشاملة. وعلى هذا الأساس يصاغ مشروعها، الذي يحتاج إلى حوار مجتمعي واسع حوله، ونشر الوعي به على كل المستويات، تبدأ من القاعدة إلى القمة، وبين كافة الأعمار، إلى ان تتحول المقاومة السلمية الثورية إلى خيار استراتيجي مرحلي؛ تحتل فيه المثل العليا والقيمُ الدينية مكانتها الداعية للحرية والعدل والمساواة والكرامة، مع دراسةُ النماذج التاريخية الملهمة والاستفادة من خبراتها ودروسها وعِبرها. وهذا لا يتحقق بين يوم وليلة، وتحتاج الوقت والإعداد والتدريب على مهارات وأساليب المقاومة السلمية الثورية، وتنمية القدرات القيادية.
3. اعتماد العمل الجماعي والمؤسسي المنظم، وضعف العمل الجماعي والمؤسسي المنظم وقف وراء كثير من الظواهر السلبية، وأشاع العمل الفردي، ونشر السلوك الاستبدادي، وأضحى من أسباب التشرذم والتفتيت والتكالب وعدم إنكار الذات، وعليه ما زال نتاج الثورة ضئيلا على صعيد العدالة الاجتماعية وعاجزا عن مواجهة الفساد السياسي والأزمة الاقتصادية، والعمل الجماعي والمؤسسي يعصم من الفردية والتسلط، ويشيع روح عمل الفريق، ويقوي المشاركة في العمل العام، ويعوض ندرة الشخصيات ذات الحضور ‘الكارزمي’ والقادرة على نيل ثقة العامة، والعمل الجماعي والمؤسسي يساعد على تنظيم الأمور، ووضع الأولويات بشكل سليم، ويعطي مكانة خاصة ودورا متميزا للشباب، كمعمل لتفريخ القادة العظام. وهذا النوع من المقاومة السلمية أفرز للعالم نماذج ورموزا عملاقة؛ مثل المهاتما غاندي في الهند، والقس مارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة، ونلسون مانديلا الزعيم التاريخي لجنوب أفريقيا. بجانب أنها كانت وراء انتفاضتين فلسطينيتين عظميين؛ كلفت الدولة الصهيونية ثمنا غاليا.
4. آلية مناسبة.. والمقاومة الثورية السلمية لا يصلح معها ولا يلبي طموحها عمل حزبي أو تنظيمي منفرد أو نمط عقائدي (أيديولوجي) منغلق، والصيغة الملائمة لها هي ‘جبهة وطنية ثورية’، تجمع شباب ورجال الثورة ومؤيديهم، والمنحازين للثورة والعاملين على تمكينها ورفع شأنها والثقة فيها، وكل من يعمل على حماية وحدة الدولة. وهناك منظمات وحركات مؤهلة؛ يأتي ‘المجلس الوطني المصري’ وحركة ‘كفاية’ وحملة تمرد والجمعية الوطنية للتغيير في مقدمتها، وهي نماذج لحركات وطنية غير حزبية، وما زالت بوصلتها مضبوطة في اتجاه الثورة، ويبقى الباب مفتوحا أمام من تنطبق عليهم نفس مواصفات هذه الحركات والقوى.
5. الدعوة والتعبئة الجماهيرية والإعلامية.. تقوم هذه الدعوة على الاتصال المباشر بالمواطنين؛ عن طريق المؤتمرات والندوات وورش العمل والمناظرات، مع الصيغ المعروفة مثل الملصقات والبيانات والنشرات والشرائط المصورة، مع الاستعانة بأجهزة الصحافة والإعلام، وهي التي يُنظر إليها كسلطة رابعة؛ بما لها من تأثير واسع على الرأي العام، ووصولها إلى درجة عالية من الانتشار والسرعة والفعالية، وأصبح الخبر والرأي والحدث يصل إلى كل بيت وكل فرد في لحظته. وكي تكسب الدعوة مصداقيتها والتعبئة تأثيرها عليها تقديم الحقيقة كما هي، ومخاطبة الشعب بلغة واضحة ومباشرة. ومعركة الدعوة والتعبئة الجماهيرية؛ معركة تواصل مع المواطنين بالدرجة الأولى، وذات أهمية في نجاح المقاومة السلمية الثورية. وبجانب هذه الشروط علينا ألا نغفل دور الجماهير، ومبادرات الشعب وتوسيع دائرة المشاركة في العمل العام، وهذا سر نجاح المقاومة السلمية الثورية، فاتساع المشاركة ينعكس إيجابا على المقاومة السلمية الثورية، وهو ما يعني اكتساب المؤيدين والمناصرين.
ويأتي عنصرا الوقت والاستمرار وأهميتهما، وعن طريقهما تتحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية والنهائية، وهو أمر يتطلب وقتاً واستمرارا وصبراً.
والمقاومة السلمية الثورية تعتبر ‘فرض عين’ في هذه المرحلة، ولنتأكد من ذلك علينا قراءة تصريحات رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأسبق الجنرال المتقاعد هيو شيلتون لصحيفة ‘وورلد تريبيون الأمريكية’، وقوله إن إدارة الرئيس الأمريكى، باراك أوباما، عملت على زعزعة استقرار الأنظمة فى كل من مصر والبحرين على مدى العامين الماضيين، وأضاف: ‘لو لم يطح الفريق أول عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع والإنتاج الحربى، بالرئيس السابق محمد مرسى، لتحولت مصر إلى سورية أخرى، وتم تدمير جيشها بالكامل’.
ومن الصعب أن تنشأ المقاومة السلمية الثورية بمنأى عن أجهزة الدولة، وتحديدا وزارات الدفاع والداخلية والإعلام والتعليم العالي والثقافة والشباب لتوفير إمكانيات التدريب والإعداد ومهارات اللياقة والدفاع عن النفس.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن