فقرة الاستفزاز

حجم الخط
0

تصفيق لإنجاز الموساد الاستخباراتي. تصفيق لاستعراض نتنياهو. حتى لو كنا نحن الإسرائيليين لم نفاجأ بالضبط حين سمعنا بأن الإيرانيين كذابون، فإن للمكتشفات معنى في الحرب الدعائية التي تخوضها حكومة إسرائيل. ليس نحن فقط، بل وادارة أوباما، زعماء أوروبا، روسيا والصين كلهم افترضوا بأن الإيرانيين يكذبون حين يدعون بأن مشروعهم النووي مخصص لأغراض سلمية، وإنهم صدقوا بأن الإيرانيين يبنون في بورتو فرعاً لبذور العفولة لما كانوا اجتهدوا بهذا القدر للوصول إلى اتفاق.
لقد اختارت القوى العظمى التصرف وكأنها تصدق أكاذيب ظريف. فحصت البدائل وتوصلت إلى الاستنتاج بأن الاتفاق هو من ناحيتها أهون الشرور. وفي الاسبوع الماضي جاء الرئيس الفرنسي والمستشارة الالمانية إلى البيت الابيض، لجولة محادثات عاجلة مع ترامب. وعرف ماكرون وميركيل وترامب ما أخذته إسرائيل من الارشيف الإيراني. وعلى الرغم من ذلك بقي كل طرف في موقفه، الاوروبيون مع الاتفاق، ترامب ضده. معقول الافتراض بأنه حتى 12 أيار/مايو سيأمر بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، أما ما سيحصل غداً فمنوط أساساً بالإيرانيين.
توقعت بعد أن أنهى نتنياهو عرضه الجميل بالانجليزية، بما فيه من وسائل ايضاح، وبعد ان ينهي ترجمة موجزه إلى العبرية، ان يتوجه إلى ناخبيه، مواطني دولة إسرائيل، ويروي لهم ما هو السيناريو لديه. فهل هو يسعى إلى حرب مع إيران؟ إذا كان نعم، فمسموح للإسرائيليين أن يعرفوا ذلك قبل ان يشتروا رزمة «كله مشمول» لإجازة صيف في تركيا.
بعد شهر ونصف ستبدأ مباريات المونديال، هذه المرة في روسيا. لم تصعد إسرائيل إلى المباريات، ولكن لديها طريقتها للمشاركة فيها. مرتان، في 1982، وفي 2006، كانت إسرائيل تشارك في حرب في فترة المونديال. لا يمكن أن نستبعد امكانية أن نكون في الطريق إلى حرب ثالثة.
فجر أمس هوجمت من الجو قاعدتان للجيش السوري تستخدمهما أيضاً القوات الإيرانية، واحدة قرب حلب، والثانية قرب حماة. ومثلما في الهجوم السابق، في مطار «تي فور» في شمال سوريا، هذه المرة ايضا بلغ عن قتلى إيرانيين. إسرائيل الرسمية لم تأخذ المسؤولية، ولكن مصدرا مجهولا تكبد عناء القول لـ «نيويورك تايمز» بأنه في الهجوم دمر 200 صاروخ بعيد المدى من انتاج إيراني. واذا كان النبأ صحيحا، ففيه ما يفرح: من الافضل أن تتفجر الصواريخ الإيرانية في سوريا وليس على الاراضي الإسرائيلية. ولكن السؤال يبقى على حاله: هل تسعى إسرائيل إلى حرب مع إيران؟
لقد أرفق نتنياهو وليبرمان الهجمات بتهديدات علنية. إسرائيل لن تسمح لإيران بتثبيت تواجدها في سوريا. إذا هوجمت تل أبيب، فستهاجم طهران. الخطابة لم تترك مجالا للشك: إسرائيل تشدد مطالبها من إيران. في البداية كان الخط الاحمر ارساليات السلاح المتطور إلى حزب الله في لبنان. ولاحقا صار الخط الاحمر جغرافيا: إسرائيل لن تسمح للميليشيات الموجهة من إيران بالاقتراب من الحدود مع إسرائيل. صيغة التهديدات والهجمات على المنشآت الإيرانية التي تقع على مسافة مئات الكيلو مترات من الحدود في الجولان تفيد بأن السياسة تغيرت: كل تواجد عسكري إيراني في سوريا هو في نظر إسرائيل خط أحمر. ان الاحتمال في أن تفهم إيران التلميح وتصرف القوات التابعة لها من سوريا هو صفر. هكذا أيضاً الاحتمال في أن تعتذر إيران عن أكاذيبها في الماضي وتنزع النووي نهائيا. هذه أهداف غير قابلة للتحقق. وعليه، فيجب العودة والسؤال ما هو معنى هذه الاستفزازات المبادر اليها: هل تسعى إسرائيل إلى حرب مع إيران؟
ودرءاً لسوء الفهم: التواجد العسكري الإيراني في دولة مجاورة لإسرائيل هو مشكلة عويصة. فهو يدعو إلى عمل إسرائيلي بكل الوسائل، الدبلوماسية، السرية والعسكرية، وكل هذا شريطة أن نعرف ما الذي نريد أن نحققه، كيف نحققه وما هو الثمن.
كل ثمن، يقول ليبرمان في خطاباته. في الحرب ضد إيران هو مستعد لأن يدفع كل ثمن. وقبل أن نهتف بجموعنا «يعيش ليبرمان»، و «إلى الامام إلى طهران» يجدر بنا ان نتذكر عما يدور الحديث: إيران، من خلال حزب الله، جيش الاسد والميليشيات التي تشغلها هي يمكنها أن تطلق من لبنان ومن سوريا عشرات الاف الصواريخ إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية. لدى إسرائيل أجوبة عسكرية لهذا التهديد، ولكنها جزئية. الثمن بالارواح، بالممتلكات، بالشلل الاقتصادي لاسابيع طويلة، سيكون باهظا، وربما باهظا اكثر مما كان في الحروب في الماضي. الثمن الذي سيدفعه المواطنون في الطرف الآخر سيكون باهظا أكثر بكثير. هل إيران ستختفي؟ مشكوك فيه بشكل كبير جدا.
لقد كانت إسرائيل ترغب في أن تتحكم بالعملية، فتدير المواجهة مع الإيرانيين وفقا لارادتها. لشدة الاسف، فإنه في المواجهات من هذا النوع لا يوجد لأي من اللاعبين قدرة التحكم. قذيفة واحدة تدقق اكثر مما ينبغي يمكنها أن تدهور الاطراف إلى حرب شاملة. فالكل يتذكر أقوال الندم لنصرالله، على انه باختطاف الجنديين اوقع على نفسه حرب لبنان الثانية. والكل يتذكر القذيفة التي اخطأت في كفر قانا، فصفت دفعة واحدة انجازات حملة «عناقيد الغضب». وها هو مثال آخر: في كانون الاول/ديسمبر 2014 صفي في سوريا جهاد مغنية، من كبار رجالات حزب الله، ومعه أربعة أو خمسة ضباط في المنظمة أيضاً. فأطلق حزب الله رداً على ذلك سبعة صواريخ كورنيت على قافلة من جفعاتي. قتل في الهجوم اثنان: الرائد يوحاي كلانغر والعريف اول دور نيني. الجيش الإسرائيلي احتوى الحدث. لو كان قتل عشرة لما كان مفراً من الخروج إلى حرب ثالثة في لبنان.
أحياناً لا يكون مفر من الدخول إلى حرب، أحياناً، عندما يكون الخطر وجوديا، لا مفر من المبادرة إلى حرب. ولكن أحد الدروس التي تعلمناها من حروب الماضي انه خطير اللعب بالنار. من يقرر استفزاز الطرف الآخر يجب أن يوضح قبل ذلك لطرفنا، للجمهور الإسرائيلي، ما هو الخطر، ما هي النية، ما هو الهدف وما هو الثمن، شيء ما في الوضع الناشيء يذكر بالحدث القاسي في جدول تسفيت. الإسرائيليون يدخلون إلى القناة باحساس بالامن. فهم واثقون بأنه سيكون على ما يرام. أحد ما فوق فحص المخاطر ووعد انه لن يقع لهم أي ضر. وعندها جاء الفيضان.

يديعوت 1/5/2018

فقرة الاستفزاز
عندما يكون الخطر وجودياً لا يكون هناك مفر من الدخول إلى حرب
ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية