الحياة في يوم واحد

■ منذ أسبوعين تقريبا وجدت على تويتر خبرا يقول إنه في مثل هذا اليوم توفي صلاح جاهين وسيد مكاوي وعبد الرحمن الأبنودي. كان اليوم هو الحادي والعشرين من إبريل/نيسان. جاهين كان الأول في 21 أبريل عام 1986 ومكاوي كان الثاني في 21 أبريل عام 1997 والأبنودي كان الأخير في 21 أبريل عام 2015.
طبعا في أي يوم من العام يمكن أن تجد الكثيرين فارقوا عالمنا، لكني حين قرأت الأسماء الثلاثة اتسعت بي الغرفة لتنهال الذكريات وصفحات من الحياة الضائعة والباقية. أنا لم أقابل سيد مكاوي إلا في ألحانه، أو في مشاهدته على شاشة التلفزيون. وليس جديدا أن أقول إن ألحانه تملأ الدنيا بالجَمال.
قابلت الأبنودي طبعا كثيرا، أما صلاح جاهين فمرة واحدة في الإسكندرية في كلية الآداب في يوم لا أنساه في بداية السبعينيات من القرن الماضي. كانت هناك ندوة له في الكلية كما أنه سيقوم بتوزيع الجوائزعلى الطلاب الفائزين في مسابقة اتحاد الطلبة الأدبية من كتاب قصة وشعراء. كنت حريصا على الاشتراك في مثل هذه المسابقات، ليس للشهرة ولكن لأن زملائي في الجامعة ينتظرون الفوز الذي يعني سهرة كبيرة عامرة بكل شيء يخطر على بال الشباب ذلك الوقت. كنت أنا الفائز بالجائزة الأولى في القصة القصيرة وكانت ثلاثين جنيها، وهذا رقم يكفينا كلنا لو أردنا ونحن خمسة أصدقاء أن نمضي الليلة في ملهى ليلي ذلك الوقت، فما بالك لو قضيناه في البيت كملهى ليلي مصغر؟ أو بمعنى أدق في الشقة التي يستأجرها أصحابي من الريف في شارع تانيس ونسهر فيها. لا أعرف أين أكثرهم الآن وكانوا يدفعونني إلى الاشتراك في مسابقات محلية كثيرة بغية السهرات الاستثنائية! إذن سأستمتع بالاستماع إليه وسأصافحه وأتناول منه الجائزة التي ينتظرها أصحابي وأنا طبعا. كنا في انتظاره على مدرج العبادي الشهير في الكلية، وكان ينتظره على باب الكلية العميد وعدد من الأساتذة. فوجئنا بصلاح جاهين يدخل المدرج وحده ولا نعرفه. دخل شخص نحيل ليس هو صلاح جاهين وقال لنا ضاحكا «أنا صلاح جاهين ومررت من أمام العميد والأساتذة ولم يعرفوني».
كان عائدا من رحلة علاج في روسيا فقد فيها كثيرا جدا من وزنه. ضحكنا وذهب بعضنا يخطر العميد بدخول صلاح جاهين، وكانت ندوة رائعة حدثنا فيها ويا للعجب عن الشاعر أمل دنقل، أكثر من أي شاعر آخر، وهذا أكد لي أن هذا الجيل العظيم الذي تعلم أيام الملكية كان يدرك أن العالم يمضي إلى الأمام، ولا معنى للوقوف أمام الأجيال القادمة. تحقق لي ذلك من لقاءات مع كبار الكتاب القدامى مثل عبد القادر القط وعلي الراعي وشكري عياد وأحمد عباس صالح وغيرهم الكثير. صلاح جاهين أيضا يعكس لي أمرا لا تجده إلا في أوروبا والعالم المتحضر وهو أن الكاتب أو الفنان يستطيع إذا أراد أن يمارس ويبدع في أكثر من مجال أدبي أو فني. في هذا العالم المتحضر لا تتم قولبة الكتاب في جنس أدبي أو فني واحد، ماداموا أرادوا، لكن في بلادنا شهرة الكاتب يتم تدشينها وترويجها دائما في جنس واحد. مثله فعل يوسف إدريس كاتب القصة قصيرة والمسرح الطليعي والمقالات ولا أروع منه. نجيب محفوظ كاتب رواية والقصص القصيرة والسيناريوهات رائعة. يوسف السباعي كاتب الرواية والقصص القصيرة والمسرح والسيناريست أيضا وهكذا. صلاح جاهين كان شاعرا كبيرا وكان ممثلا لطيفا ومنتجا سينمائيا وكاتب سيناريو لأفلام حطمت الأرقام القياسية في التوزيع مثل «خلي بالك من زوزو». و«أميرة حبي أنا « وهكذا، فضلا عن رسومه الكاريكاتيرية الرائعة. ورغم ألحان سيد مكاوي الرائعة، إلا أن الأطفال والكبار لا ينسون أوبريت «الليلة الكبيرة « منذ الخمسينيات كما أنني لا أنسى عاما كاملا عام 1980، أمضيته كله أسمع رباعيات صلاح جاهين بتلحين سيد مكاوي وغناء علي الحجار ليل نهار. حين أتذكر ذلك أقول لنفسي كيف كنت راغبا أن أعيد اتصالي بالعالم أنا الذي كنت أعاني من إحساس كبير بالاغتراب فيه، بعد عملي في السعودية عاما واحدا ولم استطع الاستمرار وعودتي إلى مصر التي لا أريد البقاء فيها! ويأتي الأبنودي الذي كنت في الإسكندرية حريصا على الاستماع إلى حكاياته في الإذاعة عن «حراجي القط « العامل في مشروع السد العالي والخطابات المتبادلة مع زوجته فاطمة أحمد عبد الغفار، التي رغم بساطتها مليئة بتأمل الحياة والوجود والصور الشعرية العظيمة. أنظر إلى فاطمة وهي تقول.
شهرين يا بخيل؟
ستين شمس وستين ليل؟
النبي يا حراجى ما أطول قلبك
لاقطع بسناني الحته القاسيه فيه
أو وهي تقول:
وصلنا الطرد وجانا المبلغ يا حراجي..
أحياك الرب وأبقاك ألفين عام..
ولا عاد يقطعلك عادة ولا حس..
ولا يقفل لك كف..
ولا يطوى من قدامك سجادة الخير والسعاده..
ثم جاءت بعد هزيمة 1967 أغنيته الفريدة:
«عدا النهار والمغربية جاية
تتخفي ورا ضهر الشجر
وعلشان نتوه في السكة
شالت من ليالينا القمر»
بغناء عبد الحليم وتلحين بليغ حمدي الذي حولها بعد الألم في مفتتحها إلى احتفال أوركسترالي مليء بالقوة والعزم وحليم يصرخ:
« أبدا بلدنا للنهار
بتحب موال النهار
لما يعدي في الدروب
ويغني قدام كل دار «
كانت هذه الأغنية بمثابة قارب الأمل لنا نحن الجيل الذي تعلم مع ثورة يوليو/تموز، وكان يصدق إننا سنلقي بإسرائيل في البحر، ثم صحونا على هزيمة كبيرة جعلتنا أشبه بطفل ضل طريقه إلى غابة مليئة بالوحوش. هذه الأغنية جعلتنا نستعيد شيئا من الأمل، وأيضا بدأنا نستعيد عقلنا وندرك أن النظام الحاكم الذي كان يسيطر على الصحافة والإعلام ويشوش على الإذاعات الأجنبية كان نظاما ديكتاتوريا امتلأت معتقلاته بالمفكرين والكتاب. انفجرت كل الحقائق في وجهنا نحن أبناء الثورة، التي كانت تقدم لنا بحق المصانع والمدارس، لكن بلا حرية، ولا يدرك ذلك إلا الكبار حولنا ولا يقولونه. قرأت الأبنودي طبعا واستمعت إلى أغانيه، ومثل صلاح جاهين كان يقدم الصور الشعرية الجديدة في الأغنية العربية. طبعا ليس هذا وقت ولا مكان الحديث المستفيض عن الصور الشعرية في أغاني الأبنودي، الذي جعل الأغنية مثل جاهين ليست أقل من الشعر وليست أبسط. وحين مات جاهين شعرت بخسارته وقيل كلام لا أصدقه عن انتحاره بسب الاكتئاب الذي لازمه بعد هزيمة 1967 وبعد موت عبد الحليم. لقد كان هذا الاكتئاب سببا في كتابته للرباعيات التي مشى فيها على غرار عمر الخيام، لكن بالعامية التي جعلت الإنسان البسيط وسط قضايا الوجود الفلسفية. حتى الآن انظر حولي وأقول:
علم اللوع أكبر كتاب في الأرض
بس اللي يغلط فيه يجيبه الأرض.
أما الصراحة فأمرها ساهل
لكن لا تجلب مال ولا تصون عرض.
عجبي ممن لا يتعجبون!

٭ روائي مصري

الحياة في يوم واحد

إبراهيم عبد المجيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية