بعيداً عن أجواء الفضاء العربي المتخم بالشقاق والنفاق ولزوميات ما لا يلزم، هناك إضاءات عربية وجدت طريقها خارج هذا الفضاء كله، وفي فضاءات أكثر رحابة ومهنية واحترافا.
في بلجيكا، يشق الشاب البلجيكي من أصل فلسطيني «مجد خليفة» طريقه صعوداً كصحافي ووجه تلفزيوني مشهور على المستوى البلجيكي والهولندي، وهو لم يتجاوز بعد الخامسة والثلاثين من عمره.
مجد خليفة صحافي استقصائي تلفزيوني يعمل في محطة البث الوطنية البلجيكية VRT الناطقة بالهولندية التي يتقنها الصحافي الشاب بطلاقة مثل إتقانه لغته الأم العربية، وبذكاء يوظف معرفته وعلمه وقدراته في مهنته حتى صار وجهاً بلجيكياً مشهوراً تتم دعوته إلى المحطات المختلفة كمحلل يعرف تماما ما يقول من دون إنشاء، ويقوم بالتعريف كصحافي محترف بقضايا الشرق الأوسط بالإضافة إلى تقاريره التي عرض فيها للجمهور الناطق بالهولندية في هذه البقعة من العالم قضايا الشرق الأوسط من زاوية إنسانية خصوصا قضايا اللاجئين والأزمات الإنسانية في العالم العربي.
مجد خليفة، نشر كتابه الأول «مولود من جديد» مؤخراً في بلجيكا وفاجأني حجم الإقبال على حفلات التوقيع لهذا الشاب الفلسطيني المجتهد الذي وجد ببساطة سقفاً عالياً يحتوي قدراته المذهلة.
الصحافي البلجيكي العربي الشاب، أنتج وأخرج فيلماً تسجيلياً مؤثراً حظيت بمشاهدته في عرض عام هنا في بلجيكا اسمه (ما الذي حدث في الخيمة)، بالمشاركة مع مخرج بلجيكي وتم تصويره بين بلجيكا والأراضي المحتلة وإسرائيل، وسيتم عرضه في رام الله هذا الصيف ضمن مهرجان فني هناك، وتدور أحداثه حول تجربة عمل فريقين من لاعبي السيرك فلسطينيين و بلجيك والتحديات التي يواجهها كل فريق في مجتمعه وطريقة تحويل السلبيات التي يواجهها كل منهم إلى مشروع بناء مشترك بينهما.
كل ما سبق ذكره مختصر لإنجازات عقل عربي مبدع، لكنه كاف للإحتفاء به لو كان هناك إعلام عربي متواصل مع ذاته قبل أن يتواصل مع الغير.
للأسف، الإعلام الفضائي العربي مشغول جداً بأزمات الدم، أو وصلات الرقص الفارغ والترفيه منزوع الدسم الفني، وهذا واقع فضائي بائس كان لمجد خليفة الكثير من الحظ أن لا يكون جزءاً منه.
زمن محطات الراديو
ما زلت وفياً لثقافة الاستماع إلى «الراديو» كعادة كانت أكثر كثافة في زمن مضى حين كانت التلفزيونات غير قادرة عن القفز على الجغرافيا وتجاوز الحدود في محطاتها الأرضية المحدودة بينما كانت محطات الراديو تخترق كل الحدود بالموجات الطويلة فكنا نستقي الأخبار أيامها على الهواء بالصوت من «بي بي سي» و «مونت كارلو» و»هنا واشنطن»، بالإضافة إلى المحطات المحلية العربية التي كانت ساقطة إخبارياً ومبدعة في عالم الترفيه.
وفي جولة أخيرة على بعض محطات الراديو التي استطاعت اختراق الحدود من خلال الانترنت والأجهزة فائقة الذكاء، فتفوقت بمحتواها «الصوتي» على بعض الفضائيات، استمعت لمحطة راديو البلد الأردنية، وهي إذاعة مجتمعية بمعنى الكلمة، حيث استطاعت المحطة ان تتفاعل مجتمعيا مع الواقع المجتمعي لتنتج برنامجا جميلا اسمه «يا مال الشام» تقدمه الإعلامية السورية المقيمة في الأردن «زين الجبيلي»، حيث يستضيف البرنامج الأردنيين من عائلات سورية ساهمت في بناء الدولة الأردنية تاريخيا، وهؤلاء الذوات هم أنفسهم صناعيون وإقتصاديون ومسؤولون في الدولة يتحدثون «بلهجتهم السورية المحببة» عن مواطنتهم الأردنية بإخلاص وعن أصولهم التي حملت ثقافة «شآمية» عريقة وجدت في جوب بلاد الشام امتداداً وطنياً لها.
ما تفعله برامج كتلك هو غاية في الذكاء من حيث إبراز الدور المجتمعي للإعلام، ويبدو أن الراديو نجا من مأزق تغول التجارة وصناعة الترفيه المبالغ بها والتي دمرت المحتوى في الفضاء التلفزيوني العربي.
برامج بعض محطات الراديو خصوصا المجتمعية منها تعيد إنتاج الزمن التلفزيوني الجميل حيث كان هناك دوما قيمة مضافة للمنتج الإعلامي، وهذا ما نفقده في أغلب محطاتنا الفضائية العربية.
لأن «الحلو ما بيكملش»
ربما كان محمد صلاح لاعب نادي ليفربول أهم حدث مبشر بالخير في واقعنا العربي البائس والمحبط منذ زمن طويل.
لا تخلو محطة عربية «رياضية او غير رياضية» عن حديث يتعلق بالرياضي لاعب كرة القدم الهادىء الذي استطاع في فترة قصيرة الصعود بسرعة صاروخية نحو القمة لينافس شاغلي الدنيا رونالدو وميسي على كثير من الألقاب.
لكن لأن «الحلو ما بيكملش» معنا نحن العرب الموهوبون في إفساد كل ما هو جميل، فقد كان الجهل الرسمي المصري الذي تناقلته الأخبار الفضائية والحوارات الجدلية في محطات مصرية سبباً في تخريب الصورة إلى حد إخراج الشاب الهادىء محمد صلاح نفسه عن صمته المعتاد ليغرد محتجاً بأدب على تصرف رسمي مصري حين تم وضع صورته على طائرة المنتخب الوطني المصري إلى جانب شعار شركة اتصالات مملوكة للقوات المسلحة المصرية.
الجهل الرسمي المصري (وهو جهل يمكن تعميمه على كثير من الرسميين العرب) يتعلق بصناعة الإعلان ومتاهاته القانونية التي تتطلب معرفة وعلماً بها، وهو ما وضع لاعباً دولياً مثل محمد صلاح في ورطة قانونية مع الجهة التي ترعاه رسمياً ضمن عقود رسمية موثقة.
ما حدث من أزمة يلخصه الزميل الإعلامي في قناة «دويتشه فيله» الألمانية ياسر أبو معيلق في التالي:
«..هناك جهل واضح للغاية لدى المسؤولين الرسميين بطرق إعداد الإعلانات والمتاهة القانونية التي يجب أن تخوضها قبل وضع أي صورة أو شعار على رمز رسمي. أغلب الظن أن هذا الجهل له سببان: وجود الرجل غير المناسب في المنصب «واسطة ومحسوبية» وسذاجة في التخطيط «صلاح نجم كبير وبيجذب. يلا نحط صورته عالطيارة وخلاص».
ويضيف الزميل ياسر: «المنتخب الألماني مثلاً ترعاه جواً لوفتهانزا وأرضاً مرسيدس بنز. فلا يجوز عندها وضع صورة أحد لاعبي بوروسيا دورتموند هناك لأن راعيهم شركة أوبل.
(«الكتابة بالألماني على الطائرة تترجم إلى طائرة المنتصرين»).
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة