رغم الأحداث الكثيرة المؤلمة التي تحتاج الى تعليق وتحليل في ساحات متعددة في العالم العربى، إلا أنني رأيت أن اكتب في هذا الموضوع لعلاقته بالدين. إطلعت مؤخرا على فتوى الهيئة الشرعية في حلب، التي تُحرم أكل الكرواسون رسميا. استندت الهيئة في فتواها الشاذة على رأى الشيخ الدكتور عبد المجيد حسين، في بحثه عن’ الدلالات الاستعمارية في حكاية الكرواسون ‘. وبحث الدكتور عبدالمجيد حسين هذا ورأيه، يستند فيه أيضا الى رأى باحث آخر هو، علي بن نايف، في بحثه المعنون: ‘الحضارة الاسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل’، حيث ذكر فيه الباحث أن بابا الفاتيكان، كان قد حشد قوات أوروبية لمواجهة الزحف الاسلامي الفاتح الى اوروبا ووقفه. كما جاء في بحثه أن ،توقف العثمانيين عند أبواب فيينا، جاء نتيجة مؤامرة من الدولة الصفوية بإيران، ولولا ذلك، لأصبح الأذان من فوق أبراج كاتدرائية القديس بولس’.
الهيئة الشرعية في حلب تبنت رأيها أو فتواها في تحريم أكل الكرواسون، لأن هذا النوع من المخبوزات ومعناه بالفرنسية ‘الهلال’ يصنع على هيئة الهلال – الذي كان شعارا للخلافة الاسلامية – وهذا الطعام يصنع ليأكله الأوروبيون في أفراحهم وأعيادهم وانتصاراتهم على المسلمين. استندت الهيئة الشرعية في حلب أيضا في هذه الفتوى العجيبة، الى أن الكرواسون هو طعام الكفار، ودعت الهيئة عدم التشبه بالكفار في المأكل، وأوصت، جزاها الله خيرا، بأكل الفطائر العربية بدلا من الكرواسون’. هذا خبر محزن لأنها من الفتاوى الشاذة.. هذا خبر محزن جداً.
أما الخبر الثاني المفرح، فمن المملكة العربية السعودية، حيث ذكرت التقارير أن وزارة العدل السعودية، منحت لأول مرة رخصة للسيدة بيان محمود بن علي زهران، لمزاولة مهنة المحاماة، حيث كانت هذه المهنة مقتصرة تماما على الرجال من قبل. خير لك أن تأتي متأخرا من ألا تأتي أبداً.
وفي الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية في حلب، مثال واضح على التخلف، وضياع الأولويات عند بعض الاسلاميين ودوائر الفتوى. ففي الوقت الذي تعاني فيه سورية من جرائم النظام البعثي الحاكم، ومنها وأد الحريات، وملء السجون والمعتقلات بالمعارضين، والعدوان المستمر على حقوق الانسان، فضلا عن القتل والتشريد والتهجير، واضطرار بعض السوريين الى الهجرة أو اللجوء المشين، وفضلا عن التنكيل بالمعارضين السوريين وملاحقتهم، كل يوم، خصوصا في السنتين الأخيرتين، وزيادة الفقر والمعاناة، في هذا الوقت تصدر في حلب تلك الفتوى الشاذة التي لا تعين في حل مشكلة واحدة من المشكلات التي يعانى منها الشعب السورى، بل إنها تخلق مشاكل جديدة وخلافات في المساجد والاعلام، وبعض الدوائر الأخرى. كان الشعب السوري في غنى عنها على الأقل، في أزمته الحالية، التي سقط فيها الجميع، وخسر فيها الوطن السوري خسارة كبيرة. وامتدت خسارة الصراع الدامي، الى قضايا مهمة مركزية، في مقدمتها قضية فلسطين، حيث أن النظام البعثي السوري المستبد كانت له وللشعب السوري حسنات عظيمة في إطار سياسة الممانعة، من استضافة قيادة حماس في دمشق، الى تقديم تيسيرات لهم ولحزب الله المجاهد، قد يعجز عنها حاليا على وجه الخصوص، معظم الدول العربية المجاورة لفلسطين، خصوصا في إطار الفتن القائمة في المنطقة والفخ الأمريكي الصهيوني الذي لن ينجو منه العالم العربي والاسلامي، حتى إذا توقف عن أكل الكرواسون، بل حتى لو تم هدم جميع أفران صناعة الكرواسون في المنطقة بأسرها، وصدرت قرارات قراقوشية أو فرعونية بذلك، ومعاقبه كل من تتوق نفسه أو يحلم بأكل كرواسونة واحدة.
الحديث عن وحشية النظام السوري البعثي لا يعنى أن المعارضة أو الجيش الحر هو الحل للقضية السورية، فقد وقعوا في جرائم عديدة وضربوا نموذجا سيئا في تفرقهم وضعف استقلالهم، وأكبر الخسائر تدل على أن ما وقع في سورية أدى الى التدخل فيها، ووصل الأمر الى تدمير الأسلحة الكيماوية ثمنا لبقاء النظام، وإن كان هذا في ظني لا يعني نجاة سورية.
كيف يجرؤ باحث أو هيئة شرعية أن يعارض القرآن الكريم فيحرم ما أحل الله، أو أن يحل ما حرم الله تعالى. ألم يقرأ هذا الباحث أو أعضاء تلك الهيئة الشرعية الآية الخامسة من سورة المائدة ‘الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لهم’، بل أكثر من قضية الطعام الحلال، يقول القرآن الكريم ‘وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ’. والسؤال البسيط في هذا الصدد، ماذا يفعل المسلم الذي اختار امرأة محصنة من أهل الكتاب زوجة له وكانت تحب الكرواسون؟ هل يقول لها انه حرام؟ وماذا سيكون رد فعلها على أهل الشذوذ الفكري والفقهي، الذي ينتسب زورا الى الشرعية أو الشريعة؟ تذكرت في هذا الصدد زيارة لي مع زوجتى أم جهاد، الى إيطاليا منذ عدة سنوات للمشاركة في مخيم جميل فوق مرتفع يطل على البحر. كانت بعض الإيطاليات ممن أسلمن يحضرن المخيم. كان من المفروض أن أتحدث في موضوع سياسي تحليلي عن الأوضاع في العالم العربي، كان ذلك قبل الربيع العربي بسنوات.
طلب مني المنظمون فجأة وفور الوصول الى المخيم، تغيير الموضوع، وأن أتحدث عن وسطية الاسلام وأوضاع المرأة فيه. سألتهم عن السبب في تغيير الموضوع، فذكروا لي أن أحد الدعاة من العالم العربي طلب منهم عند إلقاء محاضرته في صباح ذلك اليوم، أن يقيموا فاصلا حاجزا بين الرجال والنساء، حتى لا يرى أحدهما الآخر، وطلب من النساء النقاب حتى غضبت النساء الإيطاليات حديثات العهد بالاسلام. وتساءلن عن أوضاع المرأة في الاسلام وليس في العالم العربي.
الخبر أيضا بشأن تلك الفتوى، لا ينسى أن يشير الى كلام للباحث علي بن نايف الذي ألقى باللوم على الدولة الصفوية بإيران ومؤامرتها التي تسببت في توقف العثمانيين عند أبواب فيينا واتهامهم بالخيانة’.
هذا إن كان دقيقا فهو تاريخ، ولكن الباحث الهمام نسي أن يكلمنا عن دور بعض العرب اليوم، ولو في جملة واحدة، في التمكين للهيمنة الأمريكية والقواعد العسكرية في الخليج، خصوصا دورهم أيضا في الانقلاب على العثمانيين، وإثارة النعرات الطائفية والقومية التي تخالف الاسلام، وما إذا كان ذلك مؤامرة على الأمة، خصوصا قضية فلسطين.
في وقائع التاريخ ما يثير الفتن ولا يبني المستقبل، وفيه دروس وعبر عظيمة، لو انتفع بها العرب والمسلمون، وعلينا أن نفرق بين ابن العلقمي في التاريخ، وابن العلقمي المعاصر، ولا نستخدم تعدد المذاهب في تقسيم الأمة، خصوصا ونحن في موسم الحج الذي يقف الجميع فيه في عرفات في يوم واحد، ويرمون الجمرات نحو هدف واحد، ويصلون نحو قبلة وفي حرم واحد. علينا جميعا أن نسعى للوحدة، فهي النجاة لنا جميعا، وعلينا احترام المذاهب جميعا فلكل له دليله، والتقريب بين المذاهب وسيلة أخرى فاعلة نحو الوحدة.
أمة أو هيئة شرعية في حلب تشغل نفسها بالكرواسون، وغيرها من الأمم والهيئات تسعى لمزيد من النظر في الكون، واكتشاف بعض ما فيه من أسرار، تمنح الباحثين عدة مفاتيح للتقدم عملا بقوله تعالى عن أولى الالباب ‘وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ’. وبهذه المناسبة فإنني قد سعدت بقرار وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية بشأن فتح الباب أمام المرأة، ومنها الرخصة اللازمة للعمل في المحاماة، خاصة أن هناك قضايا تخص حقوق المرأة لا يحسن الدفاع عنها إلا المرأة، فقد يكون ذلك من باب الحياء والخجل.
وهنا يثور سؤال مهم أين نحن من المساواة بين الرجل والمرأة، وتهيئة البيئة اللازمة لعمل المرأة وتربيتها على القيم والمبادئ الاسلامية العظيمة التي تمكنها حتى من المشاركة في أعمال الجهاد؟ هذا عندما نفكر في الجهاد أو حينما نقدر عليه بأسلحة غير مستوردة، من دون خدش حيائها أو تعريضها لما هو مكروه أو حرام. أين ذلك ونحن نقرأ قوله تعالى ‘وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ’، رحم الله تعالى شيخنا وأستاذنا محمد عبدالحليم أبوشقة، الذي عكف على مجلداته العظيمة أكثر من عشرين سنة وصدرت بعنوان ‘تحرير المرأة في عصر الرسالة’، التي ينبغي أن تكون في كل بيت، وأن تكون أساسا للنظر في موضوع المرأة، والخروج بها من التخلف المزري. وللأسف فعندما ترجم هذا الكتاب الى احدى اللغات الاسيوية قام بعض العلماء بحرقه خوفا من تحرير المرأة، رغم أن الكتاب لا يستشهد إلا بالقرآن والسنة والآحاديث الصحيحة من الصحيحين البخارى ومسلم.
ولا يدرون أنهم بعملهم هذا رغم حسن النية، إلا أنهم يصدون بذلك عن سبيل الله، وعن دخول بعضهم في الاسلام الصحيح، خاصة النساء. كل عام وأنت بخير أيها القارئ العزيز، وفي خير وعافيه وحج مبرور وذنب مغفور.
والله الموفق
*كاتب مصري