لندن – “القدس العربي”ـ إبراهيم درويش:
تحت عنوان “ترهات نتنياهو حول إيران” علقت صحيفة “نيويورك تايمز” في افتتاحيتها قائلة إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طالما اعتمد على الوسائل البصرية للتحذير من مخاطر الإتفاقية النووية مع إيران، رغم أن هذه التحذيرات غير حقيقية أو متخيلة. ففي شباط (فبراير) أخذ نتنياهو معه أجزاء من طائرة إيرانية بدون طيار إلى مؤتمر للأمن في أوروبا كدليل يدعم نقاشه الذي حذر فيه إيران وجماعاتها الوكيلة من أن تتحدى تصميم بلاده. وفي عام 2012 وأثناء كلمة ألقاها أمام الأمم المتحدة استخدم صورة كاريكاتيرية سخيفة للتحذير مرة أخرى من قدرات إيران النووية، مع أنها لم تصل في ذلك الوقت لإنتاج القنبلة. وحتى هذا الوقت فشلت العروض المسرحية هذه بوقف الإتفاقية النووية التي يمقتها الزعيم الإسرائيلي. إلا أن حركة نتنياهو الأخيرة “إعرض ثم اشرح” ربما تركت الأثر المطلوب الذي يسعى إليه منذ وقت. وتشير هنا للعرض المتلفز الذي قدم فيه نتنياهو صورا لألاف الوثائق المرتبطة بالملف النووي الإيراني وسرقتها الموساد من إيران إلى جانب ملصق ضخم عليه عبارة “إيران كذبت”.
وزعم نتنياهو أن إيران خدعت العالم عندما قالت إن مشروعها النووي هو لإغراض سلمية. ولم يهتم المسؤول الإسرائيلي بحقيقة أن المعلومات التي كان يقدمها هي ما كان يعرفه العالم. فقد طورت إيران مشروعها النووي عبر السنين وأخفته. وفي الحقيقة أكدت ملفات نتنياهو اعتقاد وكالة الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) عام 2007 وهو أن إيران علقت الجزء الاكبر من برامج السلاح النووية عام 2003. وكان البرنامج والنشاطات التي استمرت فيما بعد عام 2003 السبب وراء التوصل لاتفاقية نووية ولماذا كانت بنودها المتعلقة بالتأكد من صحة المعلومات الإيرانية الأكثر شدة في أي اتفاق للتحكم بالسلاح. وهو ما يفسر ضرورة الحفاظ عليه لا رميه.
لم يقدم أي دليل
ولم يقدم نتنياهو أي دليل على أن إيران خرقت الاتفاقية النووية منذ أن سرى مفعولها عام 2016. وبعد ذلك أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران ملتزمة بشروطها، وهذا هو موقف مسؤولي الاستخبارات الأمريكية نفسه. ويقول عدد كبير من المسؤولين الإسرائيليين في الماضي والحاضر إن الاتفاقية فاعلة ويجب الحفاظ عليها. إلا أن نتنياهو مصمم على قتلها ويتوقع قيام الرئيس ترامب بعمل هذا في 12 أيار/مايو عندما لن يجدد التوقيع على إلغاء العقوبات وإعادة فرضها من جديد. إلا أن نتنياهو لم يترك أي شيء للحظ، فقد قدم مناشدته في مؤتمره الصحافي المتلفز بطريقة وصيغة يحبها ترامب، وجاءت بعد أيام من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل اللذين جاءا لحث ترامب على الإلتزام بالإتفاقية التي وافقت عليها الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا.
وترى الصحيفة أن هدف نتنياهو من مؤتمره كان ثلاثي الأبعاد: للتأكيد على خيانة إيران ودفع ترامب بالتعاون مع الكونغرس على قتل الإتفاقية وإرسال رسالة لإيران أن إسرائيل قادرة على اختراقها ونزع أسرارها العميقة وأخيراً التفاخر بإنجازات الموساد. وأياً يكن الأمر فإن كومة البيانات التي رماها نتنياهو خلقت نوعاً من الوهم لتوجيه اتهامات جديدة والتي سارع بيت ترامب الأبيض لاستثمارها وإصدار بيان اتهم فيه إيران بامتلاك برنامج نووي سري وقوي، مع أنه عدل البيان لاحقاً ووضعه بصيغة الماضي لا الحاضر.
حروب بالوكالة
وتعلق الصحيفة أن إسرائيل ودول الخليج الحليفة للولايات المتحدة من حقها القلق بشأن الدور الإيراني المتزايد في سوريا واليمن ولبنان والنقاط الساخنة الأخرى في المنطقة. ودعا قادة إيرانيين إلى تدمير إسرائيل ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979 تبادل العدوان اللكمات على شكل حروب بالوكالة واغتيالات وهجمات سايبرية. وقد تزايد الخطر يوم الأحد عندما قامت إسرائيل بضرب أهداف إيرانية في سوريا ومقتل 16 شخصاً على الأقل. ومن هنا فنواقيس الخطر هذه تجعل الحفاظ على الاتفاقية النووية أمراً مهماً ويمكن لترامب العمل مع القادة الأوروبيين على خطة تهدف لمعالجة مظاهر القلق، خاصة الحد من برامج إيران في مجال الصواريخ الباليستية وتوسيع صلاحيات التفتيش والحد من مغامرات إيران الإقليمية، وهذه في النهاية ليست الدولة الوحيدة التي تؤثر على استقرار المنطقة. فالخروج من الاتفاقية النووية سيحرر إيران ويدفعها على استئناف نشاطاتها النووية وسيدفع دولاً أخرى لاتباع طريقها وزيادة الوضع سوءًا.