اللغز المنطقي المعروف حسب التناسب المطلوب يتحدث عن إسرائيلي جاء إلى بلاد الكذابين وأراد أن يعرف إذا كان لديها سلاح نووي عسكري. «يوجد لدينا نووي عسكري»، أجابه الكذاب المعروف، «لكننا كذابين». «آه»، قال الإسرائيلي. «هذا أنا اعرفه، وحتى أنكم كذابين». «إذاً أنت تعرف أنه ليس لدينا نووي عسكري»، قال الكذاب. «نعم، لكنك كذاب. إذاً لديكم نووي عسكري»، أجاب الإسرائيلي.
إسرائيل لا تحتاج إلى هذا اللغز. فهي تعرف أنه كان لإيران برنامج نووي عسكري باسم «أماد». إيران كذبت عندما صرحت بأنه لم يكن لديها برنامج نووي عسكري، لكن ليس فقط إسرائيل هي التي كشفت الكذب. الوكالة الدولية للطاقة النووية عرفت أيضاً عن هذا البرنامج منذ العام 2011. ففي التقرير الدوري الذي نشرته أوردت بالتفصيل محتويات البرنامج وحقيقة أنه قد تم تجميده. إذا لماذا لم تقف الوكالة الدولية للطاقة النووية إلى جانب إسرائيل ولم تعلن أن إيران كذبت؟ واذا كانت الوكالة قد عرفت، فان الولايات المتحدة أيضاً عرفت. هي شريكة في غض الطرف.
الاجابة على ذلك هي أن أكاذيب إيران كانت معروفة جيدا، عن هذا يمكننا أن نقرأ بالتفصيل في تقارير مجلس الحكام في الوكالة الدولية للطاقة النووية في العام 2004 التي كتب فيها أن «إيران كذبت وضللت وأنكرت» في كل ما يتعلق بالمعلومات التي طلبت الوكالة أن تقدمها لها. دليل قاطع على هذا هو، الكشف بمساعدة إسرائيل عن منشآت نووية لم تكن معروفة قبل وقت طويل من التوقيع على الاتفاق النووي في 2015. من هنا فإن «الكشف» الكبير الذي يقول إن إيران كذبت ولذلك فان الاتفاق النووي نفسه باطل ولاغي لأنه استند إلى الكذب، كما يقول نتنياهو، ليس كشفا على الاطلاق.
ليس من نافل القول أن نذكر في هذا السياق أن تجميد البرنامج النووي في نهاية ولاية الرئيس محمد خاتمي جاء بمبادرة إيران، التي اقترحت اجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي بعد احتلال العراق من قبل قوات التحالف. ورد بوش كان: «نحن لا نتحدث مع محور الشر». رسالة خاتمي لم تحظ برد خطي.
بعد سنة من ذلك كان ذاك هو رئيس الوكالة محمد البرادعي، الذي اقترح على الرئيس بوش اجراء مفاوضات مع إيران بشأن البرنامج النووي. بوش وافق واقترح أن يعرض البرادعي على إيران إرسال مبعوث رفيع المستوى له صلاحيات كبيرة لاجراء المفاوضات. بيد أنه في ذلك الحين قرر الزعيم الاعلى علي خامنئي عدم اجراء أي مفاوضات مع الولايات المتحدة. هذه الامور التي قيلت في 2012 من قبل الرئيس خاتمي للصحيفة الإيرانية «مهر ـ ناما»، تدل على أن بوش كان يعرف عن البرنامج النووي الإيراني وعن أهدافه العسكرية. لماذا قرر مهاجمة العراق بذريعة أن لديه سلاح ابادة جماعية وليس إيران؟ لأنه يوجد لبوش أسياد.
بناء على ذلك السؤال المركزي ليس هل إيران كذبت وهل نجح نتنياهو في كشف الاكاذيب، بل ما الذي ستحصل عليه إسرائيل إذا نجحت في اقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي هو بطبيعة الحال يعتبره الاتفاق الاسوأ الذي تم التوقيع عليه. إنسحاب أمريكي لا يقتضي تلقائيا فرض عقوبات جديدة على إيران أو اعادة العقوبات التي تم رفعها كجزء من الاتفاق النووي. الولايات المتحدة يمكنها أيضاً الآن فرض عقوبات إضافية أخرى على إيران وكذلك البقاء ضمن الاتفاق النووي طالما أن العقوبات الجديدة لا يتم تبريرها بخرق إيران للاتفاق.
الولايات المتحدة لا تستطيع إجبار الدول الاوروبية وروسيا والصين على الانسحاب معها أو الانضمام للعقوبات التي تريد فرضها على إيران. نتيجة لذلك، فإن إيران تستطيع أن تواصل التمتع بعلاقات تجارية والمساعدة لصناعتها النووية للاغراض السلمية من دون المشاركة الأمريكية. الولايات المتحدة تستطيع أن تشمل في العقوبات الجديدة إذا تم فرضها، شركات واتحادات دولية، لكن حينها ستجد نفسها في مسار تصادم مع اتحادات أمريكية يوجد لها صفقات تجارية مع اوروبا والصين وروسيا.
إيران التي نجحت في تطوير برنامج نووي تحت نظام عقوبات صارم، لا يتوقع أن تتكبد اضراراً كبيرة من عقوبات أمريكية إذا واصلت دول اوروبا وروسيا أو الصين ودول شرق آسيوية أخرى مثل كوريا الجنوبية والهند، إقامة علاقات طبيعية معها.
عمليا، إيران ما زالت ترزح تحت العقوبات الأمريكية وهي تجد صعوبة في تنفيذ صفقات بالدولارات حتى مع الدول الاوروبية. بناء على ذلك، هي انتقلت إلى الصفقات باليورو وبالعملات محلية.
إذا قررت إيران مواصلة التمسك بالاتفاق النووي رغم انسحاب الولايات المتحدة منه، فسيستمر نظام الرقابة الصارم على المنشآت النووية الإيرانية لـ 12 سنة اخرى على الاقل. وهو الوضع القائم الآن. حسب تقارير وكالة الطاقة الدولية وحسب أقوال رئيس الاركان غادي آيزنكوت فان إيران تلتزم بشروط الاتفاق بصرامة وبدون أي خرق. طالما استمر هذا الوضع، فلن يكون للولايات المتحدة وسيلة حقيقية للقيام بتعديل الاتفاق النووي، لكن انسحابها سيصعب عليها جداً تجنيد تحالف دولي يحاول التوصل إلى اتفاق منفصل مع إيران في موضوع الصواريخ البالستية، وهو الموضوع الذي يقلق بشكل خاص إسرائيل.
النتيجة ستكون مختلفة تماما إذا قررت الدول الاوروبية الانضمام للخطوة الأمريكية، التي ما زالت غير مؤكدة طالما أن ترامب لم يتكلم. في الوقت الحالي لا يبدو أن اوروبا، وبالاحرى روسيا والصين، تنوي تبني نوايا ترامب، لكن إذا كانت هذه هي النتيجة فماذا ستكون الخطوة القادمة؟ هل إيران ستعود إلى تخصيب اليورانيوم بمستوى مرتفع كما يهدد عدد من القادة الكبار فيها؟ هل تحالف دولي سيكون مستعداً لمهاجمة إيران بسبب ذلك؟ هل إسرائيل وحدها تستطيع ومستعدة لتحمل هذا العبء، وبهذا تحول الموضوع الإيراني إلى موضوع ثنائي يتنكر له العالم؟ هل الولايات المتحدة تعهدت بمشاركة ومساعدة إسرائيل في الخطوات العسكرية ضد إيران في كل الظروف؟.
هذه الاسئلة لم يتطرق اليها نتنياهو في ظهوره العلني. حول أكاذيب الماضي لإيران وافق المجتمع الدولي على التنازل عندما وقع على الاتفاق النووي، الذي تضمن بنود رقابة غير مسبوقة استهدفت تحييد أكاذيب في المستقبل. حول الهدوء النسبي الذي يمنحه الاتفاق فإن المجتمع الدولي باستثناء أمريكا وإسرائيل، غير مستعد للتنازل عنه.
هآرتس 2/5/2018