التاريخ اليهودي فرض على الفلسطينيين، لذلك هم يحتاجونه في كل مناسبة. كل فلسطيني يعتبر نفسه أن له الحق، وهو حقا محق في أن يطرح التاريخ الجغرافي لبلاده وشعبه كقوة موازية للرواية الصهيونية. هكذا أيضاً يعمل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في خطاباته في المناسبات العلنية، وهكذا عمل أيضاً أمس في افتتاح الجلسة الـ 23 للمجلس الوطني الذي يفترض أن يكون البرلماني الفلسطيني الشامل.
الملخص التاريخي والجغرافي لعباس هو أن إقامة دولة لليهود هو مشروع كولونيالي لدول مسيحية، وأن من فكروا بالمشروع كانوا من كارهي اليهود الذين لم يرغبوا في عيش هؤلاء في دولهم. ولكن في الملخص الشرعي لعباس هناك أخطاء مربكة، سهوات كبيرة وأيضاً إدعاء مع رائحة لاسامية قوية: في أوروبا كرهوا اليهود ليس بسبب دينهم، بل بسبب أعمال تجارية مثل «الربا والبنوك».
إن تمسك عباس بالسقوط في شرك مقولات ستساعد الاعلام الإسرائيلي، الذي يتجاهل تماما رسائله ذات الصلة بطريق السلام، تخبرنا عن الرجل وعن اسلوب حكمه: هو متسق في مواقفه، لا يصغي للانتقاد، لا يتشاور مع الآخرين أو أنه ينتخب مستشارين لا يقولون له أي شيء لا يريد سماعه. وهو ايضا يختار أن يتم ابلاغه فقط عن ما هو مريح له. هذه من بين صفات أخرى، هي الصفات التي احتاجها من أجل نجاحه في التحول إلى حاكم استبدادي لـ«فتح» و«م.ت.ف» والسلطة الفلسطينية، إلى جانب سيطرته على الاموال ودعم دول أوروبا له بسبب تمسكه باتفاقات أوسلو. هذه الصفات مكنته من مواصلة ما بدأ به ياسر عرفات: إفراغ «م.ت.ف» من المضمون الفلسطيني الشامل، وإخضاعها فعليا للسلطة الفلسطينية. وكحاكم منفرد، عباس يتجاهل بصورة متسقة قرارات المؤسسات التمثيلية، وبسبب ذلك استمر التنسيق الامني بين الاجهزة الأمنية الفلسطينية وإسرائيل، رغم كل القرارات بوقفه، التي اتخذت في السنوات الاخيرة من قبل جهات ممثلة لـ«فتح» و«م.ت.ف».
الجزء التاريخي الجغرافي في الخطاب ليس الأساس. تحذيره الخفي لسكان قطاع غزة وحماس، بأنه ينوي وقف شملهم في ميزانية السلطة الفلسطينية أو تقليص أكبر لنصيبها في ميزانية السلطة. هناك أهمية أكبر وتداعيات مقلقة للمستقبل. عباس قال أيضاً إن «ما سّي بالربيع العربي كان كذبة اخترعتها أمريكا» كوسيلة لتفكيك الدول العربية. هذه الاقوال تشير إلى استخفاف عميق بالثورات الشعبية ومعاناة المواطنين تحت الانظمة الاستبدادية. على أساس هذا الاستخفاف، فإن أقواله بأن الطريق إلى دولة فلسطينية ستكون أيضاً من خلال النضال الشعبي «غير المسلح» ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الدبلوماسية، يتم تفسيرها كتلاوة احتفالية للنص فقط. النضال الشعبي هو اكثر بكثير من مظاهرات في مناطق الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي، وهو يحتاج إلى تغيير اساسي في علاقة السلطة الفلسطينية باتفاقات اوسلو، كما قال أيضاً أعضاء كبار في «فتح». الرسالة من أقواله حول الربيع العربي هي أنه طالما أن عباس في الحكم فان هذا لن يحدث.
الخلاصة التاريخية الجغرافية لعباس انتهت بالاقوال التالية: «نحن نقول إننا لن نقوم باقتلاعهم، ونقول إننا سنعيش معهم على قاعدة الدولتين». خلال الخطاب قال عدة مرات نحن «نتمسك» بهذا المخرج للنزاع «في حدود 1967»، حيث يكون شرقي القدس عاصمة الدولة الفلسطينية. هنا، فان رسميته تمكنه من التمسك باقتراح حل فقد اهميته ومنطقيته، لا سيما في نظر جيل الشباب.
عباس قال إنه يستند إلى كتاب يهود، وحتى صهاينة، وبدأ بآرثر كستلر «الصهيوني»، كما أكد أنه في الفرضية التي اقترحها في كتابه «السبط الـ 13» فان أصل اليهود الاشكناز هو من منطقة الخزر. هؤلاء الناس ليسوا ساميين، قال عباس، وليست لهم علاقة بالشعوب السامية وسيدنا ابراهيم وسيدنا يعقوب. هؤلاء اليهود (أي الخزر المهودين)، قال عباس، انتقلوا إلى شرق وغرب أوروبا، وكل 10 ـ 15 سنة تعرضوا لمذبحة في هذه الدولة أو تلك، منذ القرن الحادي عشر وحتى حدوث الكارثة. «لماذا حدث ذلك؟ هم يقولون «لأننا يهود». وأنا أريد عرض ثلاثة يهود في ثلاثة كتب وهم جوزيف ستالين»…. في هذا الجزء من خطابه الذي استهدف شرح أن اليهود تمت مطاردتهم بسبب اشتغالهم بـ «الربا والبنوك» حدثت ضجة ما وهُمس له بأن ستالين لم يكن يهوديا. عباس في البداية أصر، وبعد ذلك قال شيء ما وانتقل إلى الكتاب اليهود التالين. في النص المكتوب الذي نشر في وكالة الانباء الرسمية «وفا» بقي كما كان اسم ستالين كـ «كاتب يهودي». وبعد ذلك كتب «ابراهام واسحق نوتشراد» (هذه الاسماء غير معروفة للكاتبة). خلال الخطاب الذي تم بثه ببث مباشر في القناة الفلسطينية سمع وكأنه قال ايزاك دويتشر، المؤرخ الماركسي.
عباس قال في خطابه إن اقامة دولة لليهود في فلسطين كانت في بدايتها فكرة لمسيحيين وسياسيين مثل كرومويل ونابليون و«قنصل أمريكي في القدس في العام 1850». «قبل أن يعطي آرثر بلفورد تصريحه»، قال عباس، «اتخذ قرار بمنع دخول اليهود إلى بريطانيا، بسبب كراهيته لهم»…. (كان يقصد قانون الاجانب الذي اصدره البرلمان البريطاني في 1905، عندما كان بلفورد رئيسا للحكومة. هذا القانون قيد الهجرة من مناطق لا تعتبر جزءاً من الامبراطورية البريطانية، وفُهم أنه رد على الهجرة الكبيرة لليهود أساساً، من شرق أوروبا، منذ العام 1880). تفسير كهذا لتصريح بلفور ليس غير مقبول. عباس لم يتجاوز أيضاً اتفاق النقل بين السلطات النازية والوكالة اليهودية (أو حسب صياغته: بنك انغلوفلسطين في القدس)، الذي مكّن اليهود أصحاب رؤوس الاموال في المانيا من الهجرة منها.
عباس لن يتغير. وفي الايام الاربعة لاجتماع المجلس الوطني الفلسطيني سيتبين إذا كان أخطأ منتقدو المجلس عندما قالوا إنه هدف إلى تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني، وفي الحقيقة دفن «م.ت.ف» نهائيا بصفتها منظمة رسمية تمثل جميع الفلسطينيين.
عميره هاس
هآرتس 2/5/2018