( 1 ) يمثّل الروائي الإسكندري عادل فودة نموذجا للمبدع الجاد، الذي اختط طريق إبداعه بشكل مغاير عما درج عليه الأدباء في العقود الأخيرة. فقد نأى عن الأضواء، غير مبال باللهاث خلفها؛ سواء في الصحافة أو الندوات الأدبية، أو الانضمام إلى شلل مبدعين، إلخ. وهي أمراض الحياة الثقافية في العالم العربي، فهناك قناعة لدى كثير من شباب الأدباء، بأن من أراد الشهرة فعليه بجلسات المقاهي، وتربيطات مع الصحافيين والإعلاميين، ومجاملة النقاد أو بالأدق من يسمون أنفســــهم نقادا، الذين يمتلكون شهوة الكلام، ويركضــــون خلف المنصــــات في الندوات، ويصدرون أحكاما نقدية تتسم بالمجانية والتعميم، وتعتمد غالبا على حصيلة متواضعة من القراءات الأدبية، بدون الوعي بأن النقد له مقاييسه ومناهجه وأدواته التي لابد أن يتسلح بها الناقد، وقبل ذلك امتلاك الموهبة النقدية ذاتها، فليست المسألة القدرة على الكلام، وشجاعة الجلوس أمام الميكروفونات؛ وإنما تكمن في طريقة قراءة العمل الأدبي ذاته، والوقوف على أبعاده وطرائقه، وما أضافه المبدع، وسبل تحليله ومعرفة رسائله.
لقد نأى عادل فودة عن ذلك، وسلك طريقا طويلا، ربما يعدّه البعض مرهقا وممتدا، ولكنه هو الطريق الحقيقي لمن أراد أن يكون مبدعا. ومعالم هذه الطريق: القراءة العميقة، والكتابة الدائمة، بدون النظر إلى السنوات التي تمضي بالمبدع بدون شهرة متحققة، فالغاية هي ما تنتجه أنامله من إبداع، فلا معنى لمبدع لا يقدم جديدا في إبداعه، ويمتاح من عوالم الآخرين، ويكرر ما يبثونه من أفكار وأساليب.
تلك هي الظاهرة التي أشار إليها الأديب الراحل يحيى حقي، في كتابه «خطوات في النقد»، وهو يتحدث عن القاص يوسف الشاروني، الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى، ثم آثر الابتعاد عن مقاهي الأدباء ومسامراتهم، ونميمتهم المعتادة، وأمضى وقته في القراءة والاطلاع والتجويد لإبداعاته السردية، ما جعل الشاروني ذا بصمة إبداعية متميزة في جيله، أما الأدباء الذين لاذوا بحكايات المقاهي والشللية، فقد ظلوا في مقاهيهم جالسين، وتحولت حياتهم في النهاية إلى «مكْلمات»؛ تفسد النفوس بأحاديث الغيبة والنرجسية والتعالي، بدون إبداع ملموس متتابع في إصدارات.
إن الإبداع الحقيقي لا يتحقق إلا بموهبة، وقراءة وكتابة ودأب، مع أهمية وجود حوار نقدي جاد مع النقاد المتخصصين، وهذا ما أسميه «السير على قدمين»: قدم الإبداع، وقدم النقاش النقدي، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.
( 2 )
في العالم السردي لعادل فودة، نكتشف أننا أمام مبدع شديد الثراء في قاموسه اللغوي، وتلك من أهم أدوات المبدع، فلا معنى لمبدع فقير القاموس، يكرر كلماته نفسها في نصوصه، أو يسطو على تعبيرات الآخرين. وما زلت مقولة أحد المبدعين، كان يتباهى في الندوات بأنه نشر في عدد من الصحف والمجلات، قال: «لقد قضيت ليلة بأكملها، أحاول كتابة نص سردي من صفحة واحدة، ولكن الكلمات تخونني». ولأنني أعرف مستواه الإبداعي جيدا، فقد كانت مشكلته تعبيرية لغوية في الأساس، والسبب يعود إلى اقتصار قراءاته على منشورات الصحف، وما يقرأه لأصدقائه أو يسمعه من نصوص في الندوات أو على المقاهي. وهنا نستحضر مقولة العالم اللغوي أبي علي الفارسي (288- 377ه )، عندما حضر للعالم اللغوي العبقري أبي الفتح عثمان بن جني (288-377ه)، وكان الأخير يحاضر في حلقة لغوية وهو دون العشرين من عمره، فقال الفارسي لابن جني: «تزببتَ وأنتَ حصرم»، أي تريد أن تكون زبيبا ناضجا، وأنت لا تزال عنبا لم ينضج، أي شديد الملوحة. أما عادل فودة، فقد استثمر قراءاته جيدا، فأثرى ذاته الإبداعية، وأغنى قاموسه اللغوي، وصاغ عالما روائيا ثريا أسلوبا ووصفا.
( 3 )
في رواية «سكوربيو» لعادل فودة (دار الآفاق العربية 2018)، نكتشف أنها تمثل محطة مهمة في مسيرته الإبداعية، وسعيه إلى النضج الفني والإبداعي، تتجلى فيها مقدرته على الصياغة الأسلوبية، جامعة بين البلاغة والثراء اللغوي، ما أكسبه مهارة سردية، تجلت في مستويات عديدة، أبرزها: الوصف الدقيق لما يعتمل النفس من تقلبات، وما يرصده من تفاصيل مكانية، وما تقوم به الشخصيات من أحداث في فضاء الزمان والمكان. فجاءت المحصلة عالما سرديا، يكاد يكون مرئيا ومسموعا للقارئ، وتلك ميزة كبرى.
والمثال على ذلك، نقرأه له في مطلع الرواية: «أشتَّ بيَ الخوف وأنا أقطع ذلك الدّهليز الطويل الذي تُغبش ظلمته بشيءٍ من الحياء، أضواء قناديل صغيرة مُثبَّتة بطول جدرانه باهتة الطلاء، تتلاقى على البعد مع أرضيته الممتدة، وسقفه المُنخفض المقبى عند نقطةٍ فيبدو وكأنَّه بلا نهاية، يمَّمتُ وجهيَ صوب الرجل المُمسك بذراعي الأيمن لأُطالع وجهه، فما زادني إلَّا رُعبا، يسير مُنتصب المتن بأقدامٍ واثقة مُنتظمة كأنَّه في طابور عرضٍ عسكري، يفوقني قامةً ببضعة سنتيمترات، أو على الأرجح يزيد، فهو ينحني كلما صدفنا بإحدى دعائم سقف القبو العرضية، عيناه تبرقان في أضواء القناديل الواهية من غضبٍ وترصُّد».
آثرنا إيراد هذا النص على طوله النسبي، للتدليل على البراعة في فن استهلال الرواية أسلوبيا. فأول ما يستوقفنا أنه يقدم أسلوبا شديد الجزالة، متنوع المفردات، خاليا من حروف العطف، فجاءت الجمل متدفقة بما يعتمل في الذات من رهبة وخوف، وعبرت الكلمات عما ترصده عين البطل من تفصيلات المكان والشخصية، وما تفضي به الأحداث، ما يجعل السرد ماتعا والمشهد مكتملا. وهذا ما نلمسه طيلة صفحات الرواية، فربما تخفت البلاغة قليلا لتفسح المجال للتعبير عن حركة الشخصيات، وما تتفوه به من حوارات. ولكن الملاحظ أن المؤلف استطاع وصف الشخصيات بعمق، حتى نكاد نلتصق بسماتها وأعماقها.
( 4 )
بناء الرواية مدهش، إنه يكسر المألوف في الإيهام السردي، حيث تستهل الرواية بمحاكمة كاتبها من قبل أبطالها، فتم وضعه في قبو، وصار منتظرا أشكال التعذيب التي سيقوم بها سجانوه، لنكتشف في النهاية أن سجانيه ما هم إلا شخوص روايته، وقد أحياهم في بدايتها، ليحاسبوه عما فعل بهم في أحداثها، وبعبارة أخرى: إنها محاورة مكشوفة بين المؤلف وأبطاله، أكسبت المتلقي تشويقا. ومن ثم تبدأ أحداث الرواية، حول بطلها الطبيب، الذي تربى في أسرة فقيرة مفككة، أقرب إلى حياة أولاد الشوارع، فأمه نشأت في الشارع لظروف قاسية ألمّت بأسرتها، ما أشرب طبائعها غِلظة، وسلوكها فسادا، وهي تربي ابنها، الذي قرر أن ينأى عن هذه البيئة ذاتيا، من خلال تفوقه الدراسي، وتخرجه في كلية الطب، ومن ثم آثر بدء حياته المهنية كطبيب في إحدى قرى الصعيد «الجواني» في محافظة «قنا». وهناك نعيش أحداثا أخرى، بعيدة عن حياة الطبيب ذاته الأولى في مدينة الإسكندرية. تظهر لنا، روح الباحث العلمي لديه، الذي يرصد ظاهرة غريبة لدى سكان القرية، أنهم لا يمرضون بالأمراض العادية مثل سائر الناس، وأعاد ذلك إلى وجود حطام طائرة صدئة في القرية، من مخلفات الاحتلال البريطاني، وتبين من التحليل أنها مؤثرة على دماء أهل القرية، فلعلَّ ما حملته الطائرة من نفايات ذرية، أثرت في جينات سكان القرية، تاركة آثارًا إيجابية، حيث طوَّرت أجسامهم طرقًا دفاعية؛ أدت إلى طفرةٍ جينية. ففكر البطل في السير وراء هذا الخيط، لعله يبتكر علاجا جديدا، يجلب له الشهرة والمال، ويعوضه عن حياته البائسة التي عاشها في طفولته وصباه. وقد طور البطل في تجاربه علاجا للإيدز، ليجد أمه ضمن المصابين، وكانت تعاني من الآلام الشديدة، فطلبت منه إنهاء حياتها كقتل رحيم، وهو ما فعله، ولكنه أسف لما قدم. تطورت الأحداث أكثر، ليكتشف أن الدم يهاجم بروتين المخ، وأن كل من عالجهم ماتوا. فلم يجد مفرا إلا الفرار من القرية، بعدما خطف فتاة أحبها، وظن أهلها أن العائلة المنافسة لهم في الثأر قد فعلوها، خاصة أن البنت كانت تحب شابا من هذه العائلة، ولكن الأمور تتضح عندما يستطيع الحبيب ابن القرية، أن يخلص البنت من الطبيب، وينال الطبيب جزاءه، فيقتل، وتعود العلاقات صافية طيبة بين العائلتين.
( 5 )
قدمت لنا هذه الرواية عالما سرديا يمكن وصفه بأنه متعدد الأحداث والرسائل والأفكار، ما بين حياة وضيعة وتشرد، إلى ظاهرة طبية محيرة، فتجارب معملية على المرضى فاشلة، ثم قصة حب تنتهي بقتل الطبيب، وعودة الصفاء بين عائلات القرية، ورفضهم للثأر. فالحب الحقيقي كان سببا في قيام الحبيب بتخليص البنت المخطوفة، وقتل الطبيب. إنها أحداث جامعة بين الخيال العلمي، والواقع المأزوم، بكل ما في الاثنين من تفصيلات جاذبة للقارئ، مع ملامسة لقضية الثأر في الصعيد وأن الحب والمصاهرة سبيل لعلاج هذه الظاهرة.
( 6 )
يمكن القول إن هذه الرواية، تمثل إحدى مراحل النضج الفني للمؤلف عادل فودة، الذي يمتلك قدرات كبيرة على التخييل الروائي، تجعله يخوض في عوالم جديدة، تدهش القارئ، وتجعله لاهثا وهو ينتقل بين الصفحات والأحداث. ولاشك أن في جعبة المؤلف الكثير، لأنه يكتب بعين على الواقع المعيش بكل ما يحفل به من شخوص وأحداث، وعين أخرى على قضايا المجتمع وأزماته.
٭ أكاديمي وناقد أدبي مصري
مصطفى عطية جمعة