القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: ستظل الحكايات الأسطورية للكتاب المقدس منبعاً لا ينضب لنسج حكايات أخرى، أو حتى تأويل جديد للحكايات نفسها، طالما أن هذه القصص التي اتخذت صفة القداسة لم تزل هي المعتمدة لدى الكثيرين في تفسير نشأة الكون، ومنها اكتشاف واستنباط السلوك الإنساني تجاه المطلق الغامض، والحلم الأشد غموضاً بالعودة لما يمكن تسميته بـ (الجنة)، أو حالة السلام الأولى المتمثلة في العقل الجمعي لمعتنقي الديانات التوحيدية، بغض النظر عن كون أصول هذه الحكايات مستمدة بدورها من أساطير حضارات أقدم. ويأتي فيلم Mother لدارين آرنوفسكي معتمداً على الكتاب المقدس، من وجهة نظر العهد الجديد، خاصة في تصوره للمطلق (الرّب) وسلوكه تجاه مخلوقاته، من خلال علاقته بالطبيعة (الأم)، التي يسخّرها لخدمة هؤلاء المخاليق، مهما عانت من جرّاء تصرفاتهم وصلفهم الذي لا ينتهي. يضع آرنوفسكي حكايته انعكاساً لمأزق البشرية التي تمر به الآن ــ حسب وجهة نظره ــ بأن الجميع وصل إلى مرحلة الجنون، وأن الأمر بالكامل أوشك على الانتهاء. الفيلم أداء.. خافير بارديم، جنيفر لورانس، إد هاريس، ميشيل فايفر، دومنال جليسون، وجوفان أديبو. تصوير ماثيو ليباتيك، مونتاج أندرو ويسبلام، تصميم مناظر إيزابيل جواي، ديبورا جينسن، ولاري دياز. ملابس داني جليكر. موسيقى يوهان يوهانسون. تأليف وإخراج دارين آرنوفسكي.
الحكاية
في منطقة منعزلة يقع منزل مهيب تحيطه الأشجار، يبدو المنزل من الداخل في حالة ترميم، وقد أتى عليه حريق كبير، لم تزل آثاره باقية. زوجة شابة تتولى هذه المهمة، بينما الزوج الذي يكبرها بأعوام شاعر شهير، يعاني من توقف الإلهام، ولا يستطيع أن يخط حرفاً جديداً. وبالمصادفة يأتي طبيب عجوز إلى البيت، ظناً منه أنه أحد الفنادق، فيستضيفه الشاعر، بدون ترحيب من زوجته. وبعدما يلحظ الطبيب مؤلفات الشاعر السابقة، يصرّح له بمدى إعجابه بما يكتب، فيحتفي الشاعر بالرجل أكثر، وكأنه في حالة هوس بمعجبيه. وتأتي زوجة الطبيب فجأة، وتصبح ضيفة بدورها، وصاحبة البيت يزداد سخطها، لتكتشف صورة زوجها في حقيبة الطبيب، فهو لم يأت مصادفة إذن، ويؤكد لها الشاعر أنه صارحه بالحقيقة، وأنه ــ الطبيب ــ على وشك الموت، وأمنيته أن يرى الشاعر، حتى يحل ابنا الطبيب وامرأته، ويقتل أحدهما الآخر، وقد أوصى الأب بنصيب أكبر من تركته لأحدهما، وهو القتيل بالطبع، وتسيل الدماء في المنزل للمرّة الأولى، هذه الدماء التي لن تجف بعد الآن. ويقام حفل التأبين في المنزل، ويأتي المعزون، ويسرد الشاعر كلمات التأبين، فيبكي الجميع، إلا زوجته التي لا تستوعب ما حدث وما يحدث، وقد تحول طقس العزاء إلى حالة من الاحتفال، والجميع يتجولون في المنزل وكأنه ملك لهم. فتنهار الزوجة وتطرد الجميع، وقد وافقها المواسي بكلماته رغماً عنه، فهو لا يثور ولا ينفعل سوى مرّة واحدة، حينما صعد الطبيب وزوجته إلى حجرة الكتابة المحرمة على الجميع، وقد سقطت (قطعة كريستال) وتفتتت، وهي مصدر طاقة الشاعر على الإبداع. الزوجة التي انتظرت أن تكون أماً، تحقق لها الأمر، وطوال فترة حملها يهبط الإلهام على السيد الشاعر، فيؤلف كتابه الجديد، الذي سيجلب المريدين والمهاويس من كل مكان، فيتحقق من جديد ويصبح في غاية السعادة. هؤلاء الزوار، الذين يعيشون حسب كلماته ــ تعاليمه ــ فيتشاركون في كل شيء في المنزل، ولو حتى بالسرقة. ووسط هذه الفوضى والتناحر والقتل ــ كل فئة ترى وتؤول كلمات الشاعر وفق هواها، وتحاول إبادة الفئة الأخرى ــ تلد المرأة طفلها، فيقدمه الشاعر إلى مهاويسه، لأنهم يريدون الاحتفال بقدوم الطفل، فما كان منهم إلا تقطيعه وتقاسم جسده، فتنتقم الأم وتشعل النار في نفسها والمنزل والجميع.
إله وحيد وقيامات متعددة
بعيداً عن الشخصيات الدرامية وما ترمز إليه، فالأمر لا يحتاج اجتهادا، فالشخصيات تبدو كأنماط الحكاية التوراتية من وجهة نظر مؤمنة بالعهد الجديد.. آدم، حواء، قابيل وهابيل وجريمة القتل الأولى، والسيد المسيح الذي تقاسم حواريوه جسده ودمه مجازاً. يبدو الصراع الأساسي هنا بعد النظرة العابرة لصراع الرجل وزوجته (الإله/الطبيعة) حيث يقسو عليها دوماً في سبيل مريديه، فهو لا يستطيع العيش بدون الإلهام، أملاً في كتابة نص جديد يلتف حوله البشر ليمجدوا هذا الإله المتسامح لأقصى حد معهم، الغافر الدائم لخطاياهم وزلاتهم. لكنه ــ وفي نظرة أعمق ــ لا يحب أو يمجد سوى نفسه، وهو هنا يتماثل والصفة الأساسية لإله العهد القديم، أناني وغيور على أتباعه، ولا سبيل لذلك سوى البداية الجديدة، كلما غضبت الطبيعة على مخلوقاته وتحايلت بدورها ودمرت الجميع وأولهم نفسها. هذه هي القيامات العديدة التي حدثت وستحدث، هنا يتوسل آرنوفسكي بشيء من العلم، ويحاول أن يؤول كيفية هذه القيامات ومعاودة إنتاج الحياة والمخلوقات من جديد، من خلال حكاية تلتزم الحِس الديني، أو الأسطوري بمعنى أدق. فلم يشطح بعيداً عن سياقات وشخصيات الكتاب المقدس بعهديه.
تأويل الشاعر
الشاعر هنا ــ هو وكلماته ــ عبارة عن حالة متفردة، لا يجد مهاويسه سوى لعبة التأويل وفق هوى أرواحهم، لذلك ستصبح ساحة التأويل هذه ما هي إلا صراعات وحروب دموية ــ يتبادلون أنخاب دمائهم بدون أن يدروا ــ لتبدو كارثة الديانات التوحيدية، فكل فئة ترى نفسها على حق ــ وفق كلمات الشاعر ــ وهي الأكثر حرصاً على اعتناق وتنفيذ الكلمات/التعاليم والوصايا، ولا سبيل سوى التخلص من الفئة الأخرى، التي بدورها تعتنق الحقيقة من وجهة نظرها. كل يأمل في جنة موعودة، تمثلها وتنير دروبها كلمات الشاعر، فقط عليك أن تؤمن بها، وأن تدفع حياتك إذا تطلب الأمر ثمناً، حتى لا يشعر الشاعر بالوحدة، فهو لا يستطيع المواصلة إلا من خلال سماع أصوات مهاويسه.
الأسطورة كحكاية شعبية
رغم ما قيل عن الفيلم من كونه للخاصة، وأنه يجب أن تجهد خيالك وتفكيرك لاكتشاف تفاصيله ورسالته، إلا أن الأمر لا يعدو ــ رغم أسلوب التنفيذ وأداء الممثلين ــ سوى إعادة لقصص وأساطير معروفة، ولكن في شكل أكثر شعبية، من حيث المشكلات التي يعيشها العالم الآن، ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، حروب، ثورات، هجرات غير شرعية، تدمير البيئة، فهناك شعور باقتراب نهاية العالم ــ قيامة جديدة ضمن القيامات المتعددة ــ ورغم ما افتعله آرنوفسكي من أجواء غرائبية نتيجة تأويله لأساطير تبدو للكثيرين مقدسه، إلا أن هذا التأويل لم يخرج بدوره عن المفهوم العادي والمعروف لدى الجميع، فما يهم هنا هو النتيجة، وأن البشر وإلههم ــ أياً كان اسمه ــ مشغولون دوماً بذواتهم المتضخمة والهشة في الوقت نفسه، ولا يجدون سوى الأرض/الأم مسرحاً يمارسون من خلاله أدوارهم المُعادة والمُكررة حد الملل.