الرحلةُ إلى الذات: حديثٌ عن الذاكرة والتذكر

حجم الخط
0

إن ثِقْلَ المَاضي وهَيمنتهُ على الوَعي الإنساني مُعْطَى واقعي لابُد مِن الاعتراف به، ذلك أن كُل وعي إنساني مَحكوم بِوعي زمني ما، والزمنُ إذا غَرُبَت أنْواره بَقيت آثاره، تُوَفق الذاكرة في القبض على حقيقة هذا الزمن وعلى حقيقة الشعور الإنساني إزاءه، ذلك أنها تَتضمنُ اندثار الزمن وبعثه من جديد، باعتبارها تَصْدُر عن عُمق زَمني يَتَجَاوز اللحظة الراهنة، هي غَريزة مَكْنونة في الإنسان كَامنة كمونَ النار في الحَجر تَنْقَدحُ نَارها ويَظهرُ نُورها مع كل مَوقف فهي مَرجعٌ مِن مَراجع الذات الإنسانية، جِسرٌ يَصلُ بين مَا كان وما هُو كَائن.
تَستَمد الذاكرة مَشرُوعيتها مِن الأصْداء التي تُثيرها فينا َتَقضِي مِن خلالها حَاجتَكَ المُلحة إلى الاعتراف الجُواني إلى استخراج كل هذا الحَنين الذي يَضْطَرِمُ في صَدرك. لاَ شَيء إذن أكثَر عُمقا في الإنسان من الذاكرة لأنها تُحيلُ على عَناصر أخرى في تَكوينه وفَهمه وتأويله والإنسان بِدون هذه الفَاعلية يَمُوت بسرعة يَجِف ويَذْوِي ولا يُحس لِحياته مَعنى، هي مَحطة يَرتَكزُ عليها الإنسان في ضَجره وقَلقه المُستمر مُحاولة منه لاستكناه الحياة لا مُجرد الانفعال بها، مُحاولة لإضفاء معنى على حيَاته الشائنة وقَد تَرابطت في نَفسه أحَداث عُمرِه، والمُسْتَرجعُ أحداث عمره لا يَخرجُ إلا بالحسرة والتذكر، فالماضي بكل تَناقضاتِه مُغَرمٌ بالنموذجية والأسطورية، لذلكَ يُشيعُ في النفس إحساسا غَريبا وحزنا شَفيفا ويَملأُ القلب بِرغبة جارفة في تَضميد جراحه مِنْ أَلَم عَميق سَاوَر الإنسان طويلا.
مَحْكومَة هي الذكرى بِضَرورة استرجاعها وبِضرورة إنتاجها، وقد احتوَت عَلى وَجْه بُرهاني يَمنحُها مِصداقيتها وأَلَقَهَا الدائم، ولا قيمَة للحيَاة إلا مِن خلال هذا التمثال الذي يُقيمهُ الإنسان في ذاكرته للماضي ولأَزمنته الغَابرة، والإنسانُ لاَ يَستقي مُبررات وُجوده مِن حركية الواقع فقط، بل من إحساس الوَعي بالمَسافة الواسعة والعَميقة بينَ واقع المَاضي ووَاقع الحاضر والمُستَقبل، وما بَينَهُما من مَرَاتب لا حَصْرَ لها، من تَواترات الفكر وتَداعيَاته وبنَاه المُتَرسبة. الذاكرة بهذا المعنَى بنيةٌ حية تَشُد الإنسان إلى رَسَن المَاضي إلى جُذُوره الأَكَثَرَ الْتِبَاسا بِهِ فَتَقف على مَواطن القُوة فيها لِتَتَحولَ بِمُقتضى ذلك مِن مُجَرد مُمارسة عَابثة إلى رُؤْية تَتخطى حُدُودَ الزمان والمكان لأنها عَنَتْ الإنسانَ وتجاربه وعُدت تبعا لذلك عاملا أساسيا من عَوامل اكتساب الإنسان صفة الخَالد وأكثَرُ هذه الأحداث لَا تَظُنها خَلَدت إلا لِما فيها من سُلطة هي أعَقَدُ مِما نحسبُ بكثير، لِذلك يُجْهِدُ نَفسَهُ في الانْحناء إلى المَاضي رغْمَ سَيرورة المُضي والتقدم التي يُؤمنُ بها.
يَنتهي التطواف بالإنسان في أَرْوقَة المَاضي والنبْش في رُفَاته وأطلاله إلى وُقُوعه فَريسة في مصيَدة التذكر مصيدَة لا حد لامتدادها أو لطُولها يَسْتَدعي مِن خلالها وقَائعَ كثيرة وأشْخاص دون غيرهم، يَتَشوقُ لِمَعاهد الأحبة وخَيالاتهم الطائفة، مَعاهد يَنَالهُ لفراقهم كل مَضَضٍ مُمِض فيُغالِب دُموعا تَهم أن تَقْفِزَ مِن مُقلتيه وتَسري في أوَصاله رَعشة ويَغْلي بأحاسيس مُختلطة من الحزن والأسف والحنين والألَم.
مِن هذه النقطة بالذات تَنكشِفُ إمبرْيَالِيةُ هذا الفعل وسَطوته وقَد تَحول إلى سُلطة مَرجعية ضَاغطة لِمَا فيه مِن مَضَاء وبَقَاء وحدة، يُتخذُ في كثير من الأحيَان مُعادلا وُجُوديا يُلْقي به الإنسَانُ كَثيرا مما يَصْطَخبُ في وجدانه، وما يَعتملُ في فِكره فَتكونُ الذكرى حينئذ فِتنة للعقول وخلابة للأَنْفُس بَحثا عن مناخات غير مألُوفة ونُشدانا لآفاق عميقة وغَامضة، ارتحالا إلى المَاضي وتَماهيا مع تَجاربه اليُنبُوعية وتَعويضا عن انجراحات الحاضر وتَمزقاته.
تَحتَفظُ الذاكرة بِصفتها الخَالدة في إلْهَام الإنسان في فَرحه وفي شَقوَته، وهيَ في ذلكَ «أَصْلَبُ مِنَ الزمن وأقَدَرُ على مُغالبته» بِوصفها إفرازا يَصْطَبِغُ بصِفَة الاستمرَار والتجدد، هي حَنِينٌ نَستَعينُ بالكتَابة لإطفاء حُرْقَته وقَد اسْتحَال هذا الحنين إلى قلق نُوراني مُحرق تُطالعُ فيه ضَيَاعَكَ وحَيْرتَك ويُضِيءُ مَا أَعْتَمَ مِنْ تَجَارِبكَ وأَظْلَمَ، مُحَاولة لاوَاعية للعَودة إلى الطفل الذي كُنته إلى ذَاتك، وهَذه الذات مُتَفَردَةٌ ومُتَمَيزةٌ في انْهِماكَاتِهَا الخاصة.

٭ بَاحث تُونسي

الرحلةُ إلى الذات: حديثٌ عن الذاكرة والتذكر

مُحمد عرعاري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية