«ضحك المرايا» للقاص المغربي مبارك السعداني: البعد الجمالي ودلالته الاجتماعية

حجم الخط
0

«ضحك المرايا» هو العنوان الذي اختاره القاص مبارك السعداني لمجموعته ــ مطبعة الخليج العربي 2017 ــ ومنه نجد أنفسنا من البداية في لحظة توتر ناجمة عن التنافر بين كلمتي الضحك والمرايا؛ فالضحك فعل إنساني، والمرايا مصنعة جامدة وباردة، الأمر الذي يدفع بنا إلى قراءة النص بحثا عن انسجام نفسي ودلالي يمكن خفض حدته. فمفردة المرايا تبدو لوهلة أنها ذات أبعاد خرافية، لها ارتباط بمعتقدات المجتمعات، لكن الهدف الأساس، هو القبض على معانيها في النصوص، ويتبين لنا أنها تلك الصفحة الصقيلة التي تعكس ما يقدم لها، إنها وليدة الرؤية البصرية، فحين ينظر إليها الشخص، راغبا في أن يجد شيئا ما ينعكس عليها ترضي نرجسيته، فإنها تخالف رغبته وتعاكسها، وتمنحه صورته الحقيقية؛ إنها بهذا الفعل، تقوم بدور الحقيقة لا تزيف الأمور ولا تخدع الرائي. ومن هنا مأتى ضحكها؛ إنها ترى حقيقة الإنسان في عريه الصادم. ترى ما لا يراه، أو يسعى إلى إخفائه، فتفضحه. إنها مرايا لا تقدم سوى واقع إنساني مترد، يطبعه التشظي؛ ذلك أن التشظي هو شعور مزدوج ينتاب الإنسان العربي ويشعره بالقهر والاضطهاد والاستغلال، سواء الاستغلال الداخلي لبلاده من ناحية، والاستغلال الخارجي من ناحية أخرى. وقد انعكس هذا الشعور على أنماط العلاقات الإنسانية في حياته، ما أدى إلى تشوه علاقة الأنا بذاتها، وتشوه علاقاتها بالآخر.

حالة التشظي ومحاولة تجاوزها

يقدم لنا نص «ضحك المرايا» ــ النص الذي منح المجموعة اسمها ــ صورة جلية عن هذا التشطي الناجم عن الشعور بالخواء يقول:
بحث عني في كل الزوايا المعتمة.
كانت المرايا كلها تضحك…
ليس أمامي إلا الحجر،
شروخ كثيرة كشفتني كما أنا
فالسرد جاء بضمير المتكلم يقوم بالوظيفة التعبيرية الانفعالية لنقل مشاعره إلى المتلقي حتى يشعر بما يعانيه، ويجعله يدرك واقعه المشترك. إن الذات تسعى إلى البحث عن نفسها في لحظة عتمة، ما يؤكد صعوبة البحث ومخاطره، لكنه لم يعثر سوى على ضحكات المرايا؛ فقد كشفت له حقيقة وجوده، فكان رد فعله قذفها بحجر، ليحصل بالنتيجة على واقعه الحقيقي المتمثل في التشظي. فالبدء بنص «صورة» لم يكن اعتباطيا، وحين تبعه نص «انكسار» جاء بغاية تأكيد الدلالة، لهذا فضحك المرايا نابع من إدراكها انكسار وتشظي الشخصيات، فضحكاتها وليدة إدراكها لما تنطوي عليه الأنفس من إحباطات وانتكاسات انعكست سلبيا على حياتها، وجعلتها تعيش بؤسا وجوديا واجتماعيا ونفسيا مريرا. فنص «اهتمام» يؤكد عزلة الإنسان، ومعاناته جراء برودة العلاقات، كما أن نص «ناقد» يؤكد فشل توقعات الأستاذ بغد مبهر للتلميذ، إذ الواقع يخيب الرجاء، ليكون مصيره باحثا في القمامات. معظم النصوص تنتهي بالخيبة والمرارة، وتجعل المنتظر والمأمول بعيد المنال. ومن هنا فالمجموعة تعد نقدية ذات منحى إصلاحي، أي الراغبة في تجاوز الأعطاب بهدف بناء مجتمع متماسك، وبإنسان منسجم مع نفسه، صحيح البدن والنفس والروح.

القضايا الاجتماعية

ترصد المجموعة الكثير من الأعطاب، وتعالج العديد من القضايا ذات الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية والتربوية بأسلوب فني ولغة دقيقة مكثفة، وبأدوات جمالية متنوعة، لتناقش قضايا من قبيل.. التفكك الأسري، النفاق، الخيانة، الديوثية، القمع، والوحدة. فمثلا، نجد نص «ذاكرة» مفتوحا على تعدد القراءات، وعلى احتمالات كثيرة؛ ومنها بالأخص العلاقة بالذات/التراث، فعلاقتنا بتراثنا يجب ألا تبنى فقط على العاطفة والمشاعر النبيلة والنوايا الحسنة (سقاها بماء القلب) بل يجب أن تخضع لغربلة عقلية ليكتب لها الدوام والاستمرار. أما نص «انشطار» فبدوره يحتمل عدة قراءات بناء على قفلته المفتوحة… لنتصور إن الزوجين الطاعنين في السن جلسا يحاسب كل منهما الآخر بعد فوات الأوان.. كل واحد يسعى إلى رسم صورة للآخر بناء على تصوراته الذاتية وتمثلاته الخاصة بعيدا عن الحقيقة… ماذا سيحدث في هذه الحالة؟ كذلك نص «ذات ربيع»، المكتوب في سياق الثورة العربية، التي سميت بالربيع العربي، الذي طبل له الكثيرون نجده مشابها لمن يغرس شجيرة عوسج في أرض يباب ويستعجل الظل الذي لن يكون أبدا؛ لأن العوسج شجر شوكي لا ينتظر منه أن ينتج ظلا يفيء إليه المستظل. أما نص «حقيقة» فيحمل نظرة متشائمة للإنسان تعتمد على مقول حكمة تتجلى في كون كل الصفات التي تنعت بها الإنسان قد تلام عليها إلا صفة واحدة لا لوم عليك إذا وصفته بها وهي النتن/ (الخانز). النص يتحدث عن شخص يغسل الموتى ويعتني بجثامينهم بالحنوط والطيوب سترا لنتانتهم، ولما مات سيواجهون الحقيقة التي كان يتحملها نيابة عنهم لذلك انهالوا على نتانته بكاء ولثما.

البناء الفني والجمالي

تحضر «لما» في نصوص القاص بكثرة؛ فهي تقنية مهمة في خلق التحول المفاجئ وغير المتوقع من طرف القارئ؛ إنها تشكل منعرجا ذا أهمية في المسار السردي، وتحولا في برنامجه. ولها دورها البنائي الذي لا يمكن التخلي عنه، أو تصور عدم وجوده، فهي اللحمة، واللبنة الأساس، وما ذاك إلا لكونها لحظة فارقة في أحداث النصوص، فهي مؤشر يهيئ القارئ لتلقي تغيير ما في مسار النص. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها، نص «لغة من ينتظر»، حيث يلعب الظرف «لما» تطورا غير متوقع في مسار الأحداث وسيرها، مما يحقق الصدمة المولدة للدهشة، ومن ثم طرح السؤال. فالرجل ظل يتنقل بين متاجر المدينة وأسواقها المكتظة؛ وهو يحمل قفة يبتغي ملؤها بما يشبع بطون الأسرة، ومن المتوقع أنه سيشتري ولو القليل يعود به إلى أهله شافيا علة الجوع، لكنه لم يستطع بفعل الغلاء، فعاد أدراجه حاملا نصيحة غالية تدعو إلى الصيام معددا فضائله. لقد خاب مسعاه، وجاءت «لما» لتقوم بدور تغيير مسار الأحداث ببلاغة، مخيبة، بذلك، كل التوقعات. وهو الدور نفسه الذي تقوم به كلمتا الليل والنهار، فما يقع في الليل يمحوه النهار؛ هما معا ينهضان بدور «لما». نجد، إلى جانب ذلك، جدلية الدخول والخروج كلعبة فنية تروم بناء الدلالة، وتشييد المعنى، بحيث يصعب فصل الجانب الفني عن الدلالي، كما في نص «صورة»، هذا النص التربوي بامتياز، حيث تتم عملية الإزاحة، بدخول الطفلة الإطار، بعد إخراج والديها بفعل خصامهما. وبذلك يتحد الجانبان لإدانة التفكك الأسري، لما له من انعكاس سلبي على نفسية الأطفال. عن الحذف: تمثل علامات الحذف؛ وهي من علامات التشظي، إحالة مضمرة ـ اختزالية تحيل المتلقي إلى إدراك المعنى من خلال السياق؛ وهو، هنا، السب والقذف بشكل جارح. فالحذف، هنا، يقع بسبب أخلاقي، إذ ليس ثمة ما يبرر الكلمة كاملة، فذكاء القارئ سيتكفل بذلك فالغياب الحقيقي لا يحتاج إلى تأكيده بالكلمات، ولكنه يحتاج إلى تأكيد بالصمت، فالصمت أبلغ وأوجع. كذلك اعتمدت المجموعة في بناء عوالمها على الجمل الفعلية القصيرة ذات الإيحاء، مثل التركيز والإيجاز بعيدا عن الحشو والإطناب، في توظيف دال، كل ذلك في إطار تساؤل دائم منبته قلق إبداعي ووجودي وتحفز نجو التجاوز.

٭ كاتب من المغرب

«ضحك المرايا» للقاص المغربي مبارك السعداني: البعد الجمالي ودلالته الاجتماعية

عبد الرحيم التدلاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية