خريطة الانتخابات البرلمانية في العراق وآفاق التغيير

المشهد الانتخابي العراقي في دورته الرابعة يبدو مشابها لما سبقه من دورات منذ 12 عاما. فعبر ثلاث دورات برلمانية سابقة كانت الخطوط العامة للتقاسمات السياسية تكاد تكون معروفة، ومع وجود بعض التغيرات في كل دورة. إلا ان الواقع يقول ان لا تغيير حقيقيا حصل أو سيحصل، وبالتالي فالمتفائلون يراهنون على توسيع هامش التغيير ليصل إلى معدلات محسوسة، بينما المتشائمون ما زالوا يصرون على ان الوضع سيسير من سيئ إلى اسوأ دون ان يطرحوا بديلا واضحا. ونحن إزاء تشتت واضح في كل الكتل السياسية السابقة، فقد بلغت الأحزاب والكيانات التي ستخوض الانتخابات المقبلة 206 كيانات سياسية، منها 73 كيانا شيعيا و53 كيانا سنيا، و13 كيانا كرديا، و9 كيانات مسيحية، و7 كيانات تركمانية و4 كيانات إيزيدية و42 كيانا مدنيا ومستقلا وحزبا شيوعيا واحدا وحزبين شبكيين وحزبين كرديين فيليين.

كتل الشارع الشيعي المفتتة

يمكن ان نعتمد التقسيمة التي باتت أشبه بقدر عراقي، وهي الترويكا العراقية الموزعة طائفيا وقوميا بين سنة وشيعة وكرد، مع بعض الهوامش المتناثرة حول المراكز الثلاثة، لكن سمة انتخابات 2018 هو تشتت الكتل في هذه الترويكا، والتي كانت أكثر تمركزا في الدورات السابقة. فالكتلة الشيعية يمكننا رصد مجموعة من القوائم الانتخابية المتنافسة داخلها، أولها وربما أكبرها هي قائمة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي شكل بقيادة جناحه من حزب الدعوة ائتلافا واسع الطيف من قوى مختلفة التوجهات واسمى قائمته «ائتلاف النصر» لانه يراهن على ما أنجزه كرئيس حكومة في تحرير الأراضي العراقية من احتلال تنظيم «الدولة» الإرهابي، وهو أبرز إنجاز يقدمه للناخب العراقي مغلفا بوعود محاربة الفساد التي تلقى الكثير من السخرية من المواطن العراقي لان الكثير من رموز الفساد الكبيرة هم قيادات في ائتلاف العبادي.
الكتلة الكبيرة الأخرى يقودها نوري المالكي رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي، وهو خصم العبادي من جهة التنافس على رئاسة الحكومة وشريكه في حزب الدعوة الذي انشق إلى جناحين كبيرين، ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي يراهن على التحشيد الطائفي للشارع العراقي والتلويح بالدعم الإيراني الذي لم يثبت حتى الآن لمن سيمنح في الانتخابات المقبلة. وفي هذا الصدد يجب ان نقول ان كتلة الفتح التي يقودها هادي العامري الشخصية السجالية التي تقود ائتلافا قائما على مكونات قوات الحشد الشعبي ستنافس وبقوة الكتلتين السابقتين، فهي مكونة من مجموعة تنظيمات وميليشيات الحشد الشعبي الملتفة حول أهم فصائله منظمة بدر، والكثير من المراقبين يرون ان هذه الكتلة هي الأقرب إلى طهران بحكم قربها من مؤسسة الحرس الثوري التي تلعب دورا استراتيجيا في رسم السياسة الخارجية الإيرانية اليوم.
وتبقى بعض الكتل الصغيرة التي ستتنافس على فائض أصوات الشيعة مثل المجلس الأعلى الذي تفتت بدوره وانقسم بين الحرس القديم بالتسمية القديمة نفسها وبقـيــادة همـام حمودي وبين تيار الحكمة بقـيــادة رجــل الدين الشــاب عمار الحكيم الذي استحوذ على إرث المجلس الأعلى الـعــائلي بحـكـم كونه ابن العـائـلـة التي قـادت المجلــس منذ التـأسيس، وقد انشــق عن المـجـلـس الأعلى وطـرح نـفسه قائدا مجـددا لتيار شيعي تنويري يحاول ان يثبت نفسه في الانتخابات المقبلة.
أما التيار الصدري المعروف بانه تيار شيعي شعبوي ينشط بين الطبقات المسحوقة من الشيعة، فقد غير تكتيكه بشكل ملفت في هذا السباق الانتخابي عبر إطلاق طاقات التيار التي تبلورت في الحراك الاحتجاجي منذ ثلاث سنوات بالاشتراك مع قوى مدنية أبرزها الحزب الشيوعي العراقي، إذ تأسس حزب الاستقامة، من شخصيات وصفت بانها تكنوقراطية مدعومة من زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، وبات ينظر لحزب الاستقامة على انه وريث كتلة الأحرار التي مثلت التيار الصدري في الدورة السابقة في البرلمان، وهذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها الساحة السياسية العراقية ائتلافا بين حزب إسلامي وأحزاب علمانية بهذه الصيغة التي تضمها كتلة سائرون، التي ضمت بالإضافة إلى الصدريين والشيوعيين أربعة تيارات علمانية صغيرة أخرى.

كتل السنة والتنافس على المهجرين

وصف تقرير دولي حال النخب السياسية السنية بالقول؛ «ليست هناك جماعة سنية واحدة متراصة، على العكس من ذلك تتكون هذه الجماعة من عدة أطراف سياسية بإيديولوجيات مختلفة وشيوخ عشائر ورجال دين ورجال أعمال، ويتوقف أي أمل لعودة السنة مجددًا إلى الانخراط أو إلى صحوة سنية ثانية على توحيد هذه الأطراف» ومن هذا الجانب نجد ان الائتلافات السنية في هذه الدورة الانتخابية تعاني ما لم تعانيه في كل الدورات السابقة،لان كل محافظات السنة في العراق كانت ساحات لمعارك طاحنة خاضتها القوات المسلحة العراقية لتحريرها من سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي، مما أفرز وضعا مأساويا لملايين المهجرين داخليا في معسكرات الإيواء، مع صعوبة عودتهم إلى مدنهم المدمرة. ورغم ذلك نجد في الاستطلاع الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في 15 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أن 51 في المئة من السنة العراقيين يعتقدون أن حكومة بغداد تسير في الاتجاه الصحيح مقارنة بـ13 في المئة فقط في 2015 وقبلها 10 في المئة في 2014.
لكن النخبة السياسية الممثلة للسنة طالبت منذ عدة أشهر بتأجيل الانتخابات نتيجة صعوبة إجرائها في المدن التي خرجت لتوها من أتون الحرب، لكن إصرار الشركاء السياسيين من كتل الشيعة على إجرائها في موعدها دفعهم في النهاية إلى القبول بالأمر الواقع مع وعود الحكومة بإعادة النازحين لمدنهم في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك. ويمكننا ان نلاحظ ان الكتل السنية عانت من التفتت كما حصل في الكتل الشيعية، لنكون إزاء التحالف الأكبر وربما الأهم وهو ائتلاف الوطنية الذي يضم ستة وعشرين كيانا سياسيا ويقوده رئيس الوزراء الأسبق نائب رئيس الجمهورية الحالي إياد علاوي، وقد ضم هذا الائتلاف قوى سنية بارزة، منها الأحزاب التي يتزعمها رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ورئيس الكتلة العربية في البرلمان صالح المطلك.
كما ان نائب رئيس الجمهورية رئيس البرلمان العراقي السابق اسامة النجيفي شكل تحالفا سنيا باسم «القرار العراقي» وهو تحالف مكون من 16 حزبا وتيارا في مختلف المحافظات العراقية. كما شهدت محافظة الأنبار وصلاح الدين والجزء العربي من محافظة كركوك قيام تحالفات يقودها زعماء قبليون وبعض الوجوه من المشهد السياسي السني القديم مثل رجل الأعمال خميس الخنجر والشيخ رعد العلي سليمان وناجح الميزان ووضاح الصديد وغيرهم ممن لا يمكن التكهن بامكانية فوزهم.

الكتل الكردية وتخبط الاداء

ان المؤشرات الأولية لأداء الكتل الكردية التي نزلت في قائمة موحدة باسم الكتلة الكردستانية في كل الدورات الانتخابية الاتحادية السابقة تشهد تفتتا واضحا وتنافسا شرسا في هذه الدورة بعد انكفاء الكرد على أنفسهم مع النتائج المخيبة التي تبعت فشل الاستفتاء على انفصال الإقليم. فقد قام تحالف انتخابي جديد يضم حركة التغيير والجماعة الإسلامية والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة بزعامة برهم صالح المنشق عن الاتحاد الوطني الكردستاني لتشكيل قائمة «الوطن» التي ستخوض الانتخابات في كركوك والمناطق المتنازع عليها في مسعى لإنهاء سيطرة الحزبين الرئيسيين فيها، بينمل سينزل الحزبان الكرديان الكبيران لاول مرة منذ 12 عاما الانتخابات بقائمتين منفصلتين، وقد أعتمد كل حزب منهما على مناطق نفوذه التقليدية في دهوك والسليمانية.
ومع كل هذا الوهن السياسي الواضح في أداء أحزاب الحكومة في الإقليم، ما زال قادة الحزبين الكبيرين يطلقان تصريحات مضحكة مثال التصريح الذي أعلنه المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني في السليمانية عطا شيخ حسن الذي قال انه «وفق استطلاعات الرأي، سيصبح الكرد القوة الأولى في الانتخابات العراقية» مشيرا إلى ان «الديمقراطي الكردستاني بصدد العمل على خلق اجماع للأطراف الكردية بعد انتخابات مجلس النواب العراقي». وأضاف ان» الاستطلاع الذي أجرته قنوات عربية، يشير إلى ان الكرد سيصبحون القوة الأولى في الانتخابات العراقية، لان هناك تشرذما كبيرا في القوى الشيعية، أما ناخبو القوى السنية ممن حدثوا بطاقات الانتخاب البايومترية فان نسبتهم لا تتجاوز 10 في المئة فقط، لذلك، ووفق جميع المعطيات، فان الكرد سيكونون القوة الأولى في العملية السياسية في البرلمان الاتحادي المقبل!».
وكتب سامان نوح الصحافي الكردي في صفحته في فيسبوك واصفا الوضع الانتخابي في كردستان العراق بقوله «موجات من اتهامات الفشل والخيانة، والتآمر لافشال الاستفتاء، أطلقها حزب ضد منافسيه، قابلتها من الطرف الآخر موجات من اتهامات الفساد والتخريب والتجويع والفشل السياسي والإداري طالت ذلك الحزب. حرب عشائرية شعواء في دهوك لكسب الأصوات لخصها مرشح تقدمي بارز من عشيرة بارزة، مستنجدا بأبناء أمته القبلية: نحن في خطر، أغيثونا، وإلا فستحل النازلة علينا لتطال حاضرنا ومستقبلنا!. هذا ما تصنعه الأحزاب في انتخابات محدودة التأثير بالنسبة للمشهد السياسي الكردي! فماذا ستفعل في الانتخابات المؤثرة، المؤجلة؟!»

آفاق التغيير والضوء في نهاية النفق

مع كل هذا التخبط والفساد المستشري وسيطرة الأحزاب الكبيرة على المفوضية العليا للانتخابات، يبقى السؤال الدائم معلقا أمام رجل الشارع العراقي، ما هو الحل؟ إذا رفضت الاشتراك في العملية الانتخابية فإنك ستتيح للفاسدين السيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية للبلد وتدمير القليل المتبقي من معالم الحياة فيه، بينما المشاركة الواعية للجماهير واختيار سياسيين جدد لم تتلوث أيديهم بالمال الفاسد ودماء العراقيين سيمثل شمعة يمكن اشعالها في حلكة الوضع العراقي، وهذا ما تحاول ان تقوله مجاميع من الشباب التي تحض الشارع العراقي على المشاركة وإحداث تغيير وان كان بسيطا ليكون لبنة أولى في سلسة تغيرات مقبلة ترسخ نمط التغيير الديمقراطي في العراق.

خريطة الانتخابات البرلمانية في العراق وآفاق التغيير

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية