يمكن القول ـ ابتداءً – إنّ قصيدة النثر نفسها هي حالة اغتراب عظمى داخل ثقافتنا الحديثة، فمنذ نشأتها وسماع الناس باسمها المفارق والملعون وهي تعيش هذه الحالة ولن تخرج منها، على الأقلّ في مجتمعات نمطية توجهها سلطة الماضي وذائقته الجمالية المخفورة بقاموس لا يستهان به من الضبط والانتظام ورسم الحدود.
لسنا في حاجة إلى التذكير بأهم «مغتربات» قصيدة النثر، أو السمات التي تضعها خارج المُصنّف والسائد والمتفق عليه، فقد صارت معروفة لدى الكثير من المهتمّين بهذا الشكل من «اللاشكل». لكن إذا أردنا أن نلقي نظرة سريعة على هذه السمات «اللا قواعديّة» نجدها ملتبسة وغير مفكّر فيها لطبيعة إيحائها الاصطلاحي المثير لمحيط من التأويلات المغرضة، التي صاحبت تلقي «كُتيّب» سوزان برنار منذ البداية، ثم هو المُهمَّش بين نقود وتصانيف مكرورة كانت ترتكن إلى السهل وتعمل على إشكالات معدّة سلفًا. وهذا ما ساهم في حالة من الإنكار والرفض التي تواجه بها قصيدة النثر من لدن شريحة كبيرة من الجمهور المتشبع بثقافة الأذن، ومن أساتذة الجامعة الذين وضع أغلبهم نفسه ضد هذه القصيدة، وفوّت على درسها الأكاديمي أن يرتقي بالسجال الدائر في الصحف والمجلات، وفي وسائل التواصل الاجتماعي لاحقًا. كما ساهم في حالة الحجب والتعتيم عليها بـ«مسوخات أشكالية» من لدن شريحة أخرى ممن ادّعوا كتابتها وافتروا عليها تحت هذا المسمى أو ذاك.
وعلى الرغم من انحسار الجدل الشكلاني حول قصيدة النثر، الذي حرم زمن الشعر العربي وقتًا رائعًا من التحليق الحر، وشغل النقاد والدارسين بسجالات أكثرها غير ذي شأن بالنسبة إلى اللحظة الحضارية التي كان من المفترض أن الشعراء قد هجسوا بها وانتصروا لها في حدوساتهم وصيغ حضورهم في العالم، إلا أن القصيدة لا تزال تواجهنا كمشروع أخطأنا الموعد معه أكثر من مرة. ولا أعرف إن كان يومنا مُواتيًا لتهييء مناخ هذا المشروع لاستكمال صرخة محمد الماغوط وعصيانات من جاءوا بعده وعلى لسان كلّ منهم مثل هذه العبارة النفّاثة للأمازيغي محمد خير الدين: «أنا سليل سلالة منسيّة، لكني أحمل في يديَّ بقايا نارهم».
انتقالات وسط مشاهد الدمار
عندما أتت قصيدة النثر في نماذجها الأولى المؤسسة، كانت مشاريع البعث الحضاري التي تتخذ أشكالًا من الصوغ الرمزي والأسطوري تملأ الأفواه وتتساوق مع الانقلابات العسكرية التي تذرعت بشعارات التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية والرفاه والحرب على الرجعية وربيبتها الإمبريالية، ولعل أبرز من جسّدها الحركة التموزية. أعادت هذه الحركة (1950- 1964) الماضي البعيد والأسطوري إلى الحاضر الكاووسي بطرق لا تخلو من جهد إبداعي، لكنها سرعان ما انهارت وتأكد انهيارها بعد حدوث النكسة المدوّي، وانهار معها جبل عائم من الرموز والأحلام والأيقونات، التي حملتها القصيدة واطمأنّ إليها جمهورها، الذي أحسّ بأنهم باعوه الزيف والكذب، وأنّ ما وُعِدوا به لم يجلب إلا الكارثة، كما أحسّ الشّعراء أنفسهم بالخيبة والخذلان، ومن لا جدوى «بحار المعرفة السبعة» التي سلخوها من لحمهم ودمهم.
كانت مشاهد «الأرض اليباب» بإيحائها الإليوتي تكشف عن واقع ممزق ومشرذم وسط تحديات جيوسياسية صعبة سرّعت في ظهور وعي حداثي مضاد، بارودي وساخر. قد يكون مؤتمر روما (16- 20 أكتوبر/تشرين الأول 1961) بدوره ساهم في نشوء هذا الوعي، فقد اقترح استراتيجيات شعرية ستعمل على تنويع مرجعيات النص والكتابة. اغتنمت قصيدة النثر تلك المشاهد، ولم تخطئ بوصلة هذا الوعي، إذ أخذت تنزاح عن يوتوبيا الأنا الشعري التي اطمأنّت إلى خلق أوطان بديلة بالرمز والأسطورة، بقدر ما انزاح شعراؤها إلى مناطق جديدة من الكتابة الصوفية والإيروتيكية والسيريالية والتخييلية إلى حدّ التجريب، وهي تعبّر عن رؤى ومضامين وجماليات وجدت مُتنفّسها في أشكال من الهجاء السياسي والسخرية والتهكم، كأنما هو تعويض عن «اللاشعور السياسي» الذي يعلن خروجه على طرق التعبير والبلاغة المستقرة أو التي أصبحت سلطة في شكل قوالب وأنماط محددة (محسن جاسم الموسوي، مسارات القصيدة العربية المعاصرة).
استطاع محمد الماغوط، بغنائيّته الخاصة والمتحرّرة من أعباء المعايير الناجزة، أن يضيء مسارح التاريخ من مُعذَّبيه ومهزوميه ومغتربيه وينقلنا، بغير قليلٍ من الاحتجاج والسأم والقسوة والسخرية السوداء، إلى المنافي والسجون والغرف المغلقة والعواصم الباردة التي تذوب في التاريخ. وعمل غيره من رعيل قصيدة النثر الأول، داخل جماليّات الانشقاق والتقويض، على كتابة نصّ العصيان مُسْتأنساً بعزلته، وراضياً بمنفاه الاختياري ضدّ «المعيار»، وضدّ «الذاكرة». تتورّع عن مغامرة التجريب وابتكار طرق جديدة.
فبدلا من الشاعر العرّاف والنبي والمبشّر والحالم، ظهر الفرد المعزول والمنبوذ والمهمّش والتائه والمغترب الذي يشعر بالدُّوار وانقطاع الزمن. لم تعد الحرية تعني لديهم الالتزام العضوي بقضايا المجتمع، بقدر ما باتت تعني أن يخلق كلّ فرْد عالمه ومداه، لكي يُظهر إبداعه ويمارس حضوره المفترض. لهذا السبب، تحوّلوا، في رؤيا الشعر، إلى شعراء نرجسيّين ومستقلّين ولامنتمين وبالغي الهشاشة، يبحث كلّ منهم عن حريته بمعزل عن العالم، وعن سلطته الخاصة داخل كوكبةٍ من الرموز والإيحاءات الفالتة من كل عقال. صارت الأنا الشعرية إحدى أهمّ شذرات الحداثة الشّعرية الأساسية لصالح أن يكون الشّاعر بمفهوم الفرد المغترب، وقصيدة النثر ليس لها هاجس سوى وجودها الذاتي. وقد أسهم التركيز على الدال في التّيه والعصيان، وإشاعة «الغموض» في كثير من نماذج قصيدة النثر الأولى، في أن يخلق تشويشًا مزمنًا لأفق انتظار الذائقة وأطرها المترسّمة، نتيجة «عطالة» الدلالة أو هدم العلاقة بين دلّ وفهم، بحيث لم تعد الأدلّة تُحيل على مرجع أكثر ما صارت تنتقل في سلسلةٍ من الدوالّ لا تنتهي. لم يكن الأمر متعلّقًا بدائرة التلقي وحسب، بل بالتغير الكلّي للرؤية الشعرية وأفق اشتغالها كخطاب.
جماعة كركوك أو لسان العصيان
كان من جملة الرعيل الأول الذي انتصر لخطاب قصيدة النثر، شعراء من جيل الستينيات العراقي الذي قاد ـ حسب عبارة الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة- «حرب الاستنزافية التجريبية» (بنعيسى بوحمالة، أيتام سومر: في شعرية حسب الشيخ جعفر). كان هذا الجيل معظمه من المنفيّين المغتربين الذين خرجوا أو نُفوا بعد انقلاب 8 فبراير/شباط 1963 الذي أطاح برأس عبد الكريم قاسم، وهم مزيج من ذوي النزعات اليسارية على اختلاف مشاربها وتلويناتها الأيديولوجية.
أخذ منفى شعراء العراق الذي يتوسع منذ تلك الحقبة، وتدخل تحته أطيافٌ من الجوّالين الهائمين الذين يقتفون آثار عوليس والسندباد، أو آثار الثقافة القديمة وذاكراتها التي تطلق شعورها الكثيفة في الماضي، فكان هذا المنفى بمثابة استعارة للاغتراب المضاعف الذي عاشته قصيدة النثر، بل بقية فنون الكتابة التي انفتحت على أسئلة حادة وصادمة حتى أن الشاعر صلاح نيازي، في وقت لاحق وتعبيرًا عن زخم اللحظة الفارقة، أصدر مجلة «الاغتراب الأدبي» عام 1984. وكان شعراء جماعة كركوك، بمن فيهم جان دمو، سركون بولص، فاضل العزاوي، صلاح فائق، مؤيد الراوي، جليل القيسي، أنور الغساني، يوسف الحيدري، الأب يوسف سعيد، ضمن كوكبة هؤلاء المنفيّين حتى قبل أن يهاجروا من مجتمعهم.
عاشوا التجربة بكلّ زخمها، وأعطوا للاغتراب طابعه المضاعف، فمن جهة أولى، واجهت الجماعة بالتقويض والسخرية ظرفًا سائدًا يتمترس وراء خطابات البلاغة المسكوكة التي تتجاوب مع خطاب الهيمنة وتتعيش – إذا استعرنا عبارة المفكر علي الوردي- على «أسطورة الأدب الرفيع». فقد كانوا في شقاق مع المجتمع، يهزأون مما فيه من المزايا والسلطة ومظاهر التكريم، ويتبرمون من الأوضاع العامة التي كانت سائدة آنذاك، وهو ما غذّى نزوعهم إلى التمرد ومعاناتهم من الإحباط وإصرارهم على الخروج.
إن تأثير نشاطهم تعدى الشعر ليشمل المسرح والفن التشكيلي والمقالة والنقد والترجمة، أي مس مناحي الحياة الثقافية بأكملها. يقول صلاح فائق في حوار معه: «كنا نحن ندعو إلى كتابة يكون الشخص مركزها، من ناحية الهموم والتطلعات الشخصية وعدم السقوط في أكاذيب أجهزة الإعلام الصاخبة، ولكن رغم كل العوائق استطعنا تحقيق هدفنا الأساسي، وهو تثبيت اتجاهنا في الكتابة الأدبية والشعرية، قبل أن نهاجر جميعنا تقريبا إلى بلدان أخرى، لتفادي التعرض المهلك لسلامتنا الشخصية» (انظر حوارنا مع الشاعر صلاح فائق، على الشاعر أن يكون حذرًا من إغراءات الذاكرة حتى لا تتحول القصيدة إلى مأتم، «القدس العربي»، السنة التاسعة والعشرون العدد 8856 الخميس 15 يونيو/حزيران 2017 ص12).
من جهة أخرى، وترتيبًا عليه، أرادت هذه الجماعة أن تنتزع اعترافًا بنفسها على أهليّتها في مضمار الشعر وفضل روحها التجديدية، ومن خلال ما أخذت تقترحه من جماليات جديدة ومغايرة يفرزها جماع الصور والرموز التي بدت في منظور التلقي السائد غير مألوفة وغريبة جدًّا، بالنظر إلى تكوين مجتمع كركوك وطبيعة اختلاطه الثقافي والديني واللغوي (عربا، كردا، تركمانا، آشوريين).
من هنا، لم تكن لهم مرجعية شعرية تُنسب إلى بعض مدارس شعر التفعيلة آنذاك، أو إلى تيار مجلة «شعر» البيروتية، بقدر ما كانوا أصواتًا مختلفة حتى ضمن الجماعة الواحدة، وكان لكل شاعر داخلها أسلوبه الخاص. يقول سركون بولص: «كان لكل واحد فيها خلفيّته الغنية بالتعابير والحكايات والأساطير والأشياء التي يمكن سبرها أو فهمها بشكل كامل، لكنّها في النهاية ظهرت على شكل أسلوب عند هذا الشاعر أو ذاك» (سركون بولص، سافرتُ ملاحقاً خيالاتي).
والأخطر في الأمر أن هذا الأسلوب لم يكن ضربًا عاديًا من تأليف اللغة الشعرية وتنميقها بهذا الشكل أو ذاك، بل كان في جوهره تعبير سياسي يضع نفسه في مواجهة حقيقية مع ما كان سائدًا على الصعيد السوسيوثقافي، ولا سيما أن قصائدهم كانت تسندها خلفيات معرفية جديدة ومناوئة تشمل الماركسية والوجودية والتحليل النفسي والسيريالية والنقد الجديد.
وقد خرج معظم أفراد الجماعة مبكّرًا من العراق في بحر الستينيات المضطرب، وتوزعوا بين المنافي، باستثناء جليل القيسي الذي بقي في العراق ولم يغادره حتى رحيله. كان في دواخل كلّ شاعر ووجدانه وقصيدته يعتمل منفى، ولم يكن هذا المنفى عندهم يعني ما كان يعيشه ويتمثّله المهجريّون في أوائل القرن العشرين، بل صار معنى المنفى يحتفظ بطبيعته المعقّدة، إذ يستوعب معنيي الهجرة والاغتراب معاً: الهجرة حين يجري السعي إلى المنفى وتفضيل الإقامة فيه اختياريّاً – خارج الوطن، والاغتراب حين يُنْظر إليه بوصفه حالةً من الشعور بالعزلة والإبعاد اضطراريّاً تحت تأثير ظرف قاسٍ. وفي كلتا الحالتين، كما نبّه إلى ذلك إدوارد سعيد، «يعيش مع كل ما يُذكِّره بأنه منفيٌّ (و) يظلّ على صلة دائمة، موعودة ولا تتحقّق أبدًا، بموطنه» (إدوارد سعيد، المثقف والسلطة).
في مغترباتهم التي لاذوا بها فرارًا من قمع السلطة وخطاباتها المتراصّة، إذن، سنجد كتابات الجماعة تستحضر هذا التشظي القاسي بين ما يتمّ استذكاره وما لا يتحقق ويظلّ وعد اللغة مستأنفًا على الإطلاق.
شاعر مغربي
عبد اللطيف الوراري