التصريحات المثيرة للحفيظة التي أطلقها أبو مازن عن اليهود وإن كانت أصابت العالم بالصدمة، إلا أنها تكشف التجاهل لمواقفه ومواقف الفلسطينيين. ففي العام 1977 نشر أبو مازن كتابه «الصهيونية ـ البداية والنهاية». الكتاب، الذي لم يترجم عن العربية أبداً، يشرح باستطراد كل ما يكرره علنا في السنوات الاخيرة.
وحسب الكتاب، فقد فرضت الصهيونية على اليهود من الاستعماريين، الذين ألزموهم، بخلاف إرادتهم، أن يروا أنفسهم كشعب وأن يهاجروا إلى فلسطين. ولتحقيق هذا الهدف، عملت الصهيونية على تفاقم أزمات اليهود في اوروبا وفي البلدان العربية، سعيا لاقناعهم بالهجرة (احدى الوسائل، التي يحللها ابو مازن في كتابه، تستند إلى رسالة الدكتوراة خاصته، وهي المساعدة للنازيين).
وعلى حد نهجه، فإن السبيل إلى نهاية الصهيونية هو التعاون مع يهود العالم ولا سيما اليهود من الدول العربية، من العراق اساسا، ممن يعانون في إسرائيل من الظلم والتمييز، لاقناعهم بالعودة إلى بلدانهم الاصلية، حيث تمتعوا بمعاملة جيدة.
في ضوء الدعوات لاستبداله، من المهم التشديد على ان أقواله لا تعكس فقط رأيه الشخصي، فهي ترتبط بالميثاق الفلسطيني، وتشكل أساساً للرواية الفلسطينية. وبموجب المبادىء السبعة لهذه الرواية الزائفة ـ عديمة كل صلة بالتاريخ ـ لا يوجد شعب يهودي. اليهود هم فقط طائفة دينية، وعليه فليس لهم حق في دولة قومية (حتى الاعتذار الذي نشره أبو مازن عن أقواله كان لـ «ابناء الدين اليهودي»، وليس للشعب اليهودي)، ليست لليهود صلة تاريخية سيادية بفلسطين وعليه فلا اساس لمطلبهم العودة اليها، بينما الفلسطينيون كأنسال الكنعانيين، هم الشعب الاصلي الوحيد هنا، اليهود هم مخلوقات لا يمكن تحملهم، ولهذا فقد اراد الاوروبيون التخلص منهم فأوجدوا الصهيونية، التي في المناسبة اياها كان يفترض أن تبني درعا ضد تعزيز قوة العرب والإسلام.
ان الكفاح ضد الصهيونية هو اساس الهوية الفلسطينية وكل أنواع الكفاح مشروعة (وعليه فإن السلطة الفلسطينية تدفع الرواتب للمخربين وعائلاتهم)، وان كان طريق الكفاح المفضل كفيلاً بأن يتغير وفقا لاعتبارات الكلفة ـ المنفعة (أبو مازن يعتقد، بأنه ليس مجدياً الان استخدام السلاح الناري او حتى انواع معينة من السلاح الابيض، في اطار الكفاح العنيف، وان كانت هذه برأيه ادوات مشروعة)، الفلسطينيون هم الضحايا الوحيدون للنزاع وعليهم ان يثبتوا هذه المكانة، مثلا، من خلال تخليد اللجوء وتعزيز وعي النكبة، وكضحايا لا ينبغي مطالبتهم بابداء المسؤولية؛ الكفاح الفلسطيني هو قومي وديني في آن واحد، ولا يمكن الفصل بينهما، والكفاح هو على كل أرض فلسطين، حتى وان كان ممكنا تحديد أهداف مرحلية.
ان التحريض الفلسطيني هو الجهد لغرس هذه الرواية في وعيهم، ونزع الشرعية ضد إسرائيل، والذي يقوم به الفلسطينيون في الساحة الدولية هو المعركة لغرس هذه الرواية في الرأي العام العالمي.
لا يكفي استبدال ابو مازن، بل والرواية الفلسطينية، وهذا أصعب. أبو مازن كان يمكنه أن يحاول تغيير الرواية، بحكم مكانته كآخر الآباء المؤسسين لفتح، ولكنه يفضل تعميق التزامه بالرواية من خلال ارتباطه، وعن حق، بالمفتي الحاج امين الحسيني.
«مسيرة العودة» في غزة، واحداث «يوم النكبة» الاسبوع القادم، هما تعبيران عن الالتزام الفلسطيني بالهدف بعيد المدى لنهاية الصهيونية. من يعتقد أنه في هذه الظروف يمكن التقدم في السلام، ويكفي عرض خطة ما والموعظة للفلسطينيين (مثلما يعمل بعض من المسؤولين الأمريكيين اليوم ايضا) من أجل السماح بالتقدم، يتمسك بالتجاهل للمشكلة.
إسرائيل اليوم 7/5/2018
يوسي كوبرفاسر