سرقة السيارات في الأردن: ابتزاز ورعب وصمت حكومي مريب
13 - October - 2013
حجم الخط
3
في علم السياسة اليوم فإن قوة الدولة تقاس بمدى قدرتها على حماية مواطنيها، وتوفير البيئة الآمنة لهم على أنفسهم وأبنائهم وممتلكاتهم، وأي تهديد لأي جانب من هذه الجوانب سواء من الداخل أو من الخارج فإنه يعد فشلا للدولة، وكلما زاد التهديد وضعفت قدرة الدولة على الحماية زاد مؤشر الفشل حتى تصل إلى ما يسمى’الدولة الفاشلة’، وحين تصبح العصابات التي تبتز الناس وتسرقهم منتشرة وظاهرة للعيان ومعروفة فإن ذلك يدعو الى التساؤل عن جدية الحكومة وقدرتها على حماية مواطنيها، ويصبح السؤال مشروعا، من حق أي مواطن أن يسأله. أقول تلك المقدمة لأشير إلى أن هناك مشكلة ظهرت في الأردن منذ سنتين أو يزيد، وهي ما يسمى ‘مشكلة سرقة السيارات’، ولا نعني هنا بمشكلة فردية يمكن أن تحدث في أي زمان ومكان، كما كان يحدث سابقا، حين كان هناك بعض حالات السرقة، حيث يسرق أشخاص سيارة ويستخدمونها مدة أو يفككونها ويبيعونها في سوق القطع المستعملة، لكننا نتحدث اليوم عن ظاهرة عامة، تصل إلى حد العصابات المنظمة، حيث تسرق هذه العصابات سيارات معينة، ثم يتصلون مع أصحابها للتفاوض على المبلغ الذي عليه أن يدفعه لإعادتها. فهناك فرق بين أن يسرق شخص سيارة للاستفادة منها بأي شكل من الأشكال دون أن يكون له علاقة مع صاحبها، ودون أن يمارس أي نوع من الابتزاز عليه، وبين من يسرق سيارة بتخطيط وتنظيم ومعرفة بصاحبها وممارسة الضغوط المادية والنفسية عليه. فهناك قصص يتحدث بها أشخاص لا تحدث إلا في أفلام عصابات المافيا. تشير المعلومات إلى أن هناك آلاف الأشخاص في الأردن قد تعرضوا لمثل هذه المشكلة، وأن الذين عادت سياراتهم قد دفعوا بدلا ماديا وتفاوضوا مع أشخاص لا يعرفونهم، فهناك قصص كثيرة يقول أصحابها إنهم وبعد أن تسرق سياراتهم يقومون بتبليغ الشرطة، لكن دون فائدة، ويتم التفاوض معهم خارج معرفة الأمن ومراقبته،حيث يتصل السارق ويهدد صاحب السيارة أنه إذا أخبر الشرطة فإن سيارته سوف تحرق، ويطلب منه أن يحضر مبلغا معينا ويأتي لاستلام سيارته في مكان محدد، غالبا ما يكون في المناطق الصحراوية البعيدة، ولنا أن نتصور هنا ما يتعرض له هذا الشخص من ضغوط نفسية وخوف ورعب، حين يذهب إلي مكان بعيد وحده ودون حماية أو أي شعور بالأمان، والأدهى من ذلك أن هناك شائعة تقول إن الشرطة متواطئون مع هذه العصابات، ولذلك لا يستطيع أي شخص أن يخبر الشرطة عن إجراءات التفاوض التي تحدث بينه وبين السارقين، وهذا خطير حتى لو لم يكن صحيحا، لكن أحد الأشخاص يقول: لو لم تكن الشرطة على علم بما يحدث لما تجرأ هؤلاء وفاوضوا بكل هذه الشجاعة! وتساءل شخص آخر: كيف يتمكن هؤلاء من الحصول على رقم تلفوني؟ لولا أن هناك مساعدة من جهة ما، قد تكون رسمية! إذ إن مراقبة المتصلين أمر سهل جدا، ويمكن معرفة المتصل بصاحب السيارة ومكانه بدقة متناهية أيضا. إن الابتزاز الذي تعرض ويتعرض له أصحاب السيارات المسروقة يعتبر جريمة بحق الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها، ويثير أسئلة كبيرة وجذرية عن مدى جدية الأمن في محاربة هذه الظاهرة، ومحاسبة مرتكبيها، وإنقاذ الناس من مثل هذه الأخطار، لأن الظاهرة تزداد يوما بعد يوم، ولم نلحظ أي إجراء أمني يقنع الناس بجدية الإجراءات، بل ربما هناك من يعتقد أن الأمن يسكت ويصمت على مثل هذه الأفعال تبعا لخطة تقضي بابتزاز الناس وجعلهم يعيشون في خوف دائم من أجل الحد من مطالباتهم السياسية، يعني بمعنى آخر، إذا زادت مطالباتكم السياسية وتحركاتكم فإن أمنكم يصبح مهددا، وهناك سياسة خلط الأوراق، بحيث يصبح الأمن مطلبا وحاجة أساسية أهم من الحرية والديموقراطية ومحاربة الفساد. أعتقد أن ظاهرة سرقة السيارات باتت مشكلة تهدد المجتمع وأمنه، ومن حق الناس أن يخافوا بعد قليل على أنفسهم وأبنائهم، فمن ينتهك حرمات الناس وممتلكاتهم من أجل ابتزازهم للحصول على المال، لن يعيقه بعد مدة أن يخطف أبناء الناس ويبتزهم للحصول على مال أكثر، ومن يسرق سيارة من كراج منزل لن يكون عاجزا عن خطف ولد عائد من المدرسة. من هنا يبدو أننا نعيش في مرحلة الخطر، وأن الدولة موضوعة على المحك، إما أن تحمي مواطنيها وتمتلك زمام المبادرة وتتصرف بجرأة وحزم، وإما أن تعلن فشلها، وتترك الناس يحمون أنفسهم بأنفسهم. د.يوسف ربابعة ـ الاردن